سعوديات عاملات... وظائف خارج الإطار بحثاً عن الرزق

16 مارس 2017
الصورة
لم تجد أمامها غير هذه الوظيفة (عامر هيلابي/فرانس برس)
مرتفعة هي نسب بطالة الإناث في السعودية. إلى عدم توفّر وظائف للجميع، يأتي عدم رغبة كثيرات في امتهان ما لا يتناسب ومستواهنّ العلميّ كسبب أساسيّ لبقاء هؤلاء العاطلات من العمل في بيوتهنّ. لكنّ الأمور راحت تتغيّر أخيراً، بحسب ما يبدو

لو توقّع أحدهم قبل عشر سنوات، أن تعمل السعوديات كبائعات في محلات للألبسة أو موظفات صندوق، لوُصِف بالمجنون. فهذا النوع من الوظائف لم يكن مقبولاً اجتماعياً. لكنّ ندرة الوظائف وتفشّي البطالة بين السعوديات - أكثر من ثلثهنّ عاطلات من العمل - دفعا بهنّ إلى البحث عن مهن غير متوقعة، لا سيّما بالنسبة إلى اللواتي يحملن شهادات بكالوريوس.

وكانت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية السعودية قد أنهت أخيراً دورات تدريبية لتوظيف السعوديات كفنيات للأجهزة الذكية، فيما يُحكى عن خطط واسعة لتوظيفهنّ في المصانع وكحارسات أمن كذلك. فالوظائف التقليدية، كالتدريس أو العمل في القطاع الصحي، لم تعد كافية لتلبية الطلب المتزايد على العمل في بلد يعاني أكثر من 32.6 في المائة من نسائه، بحسب بيانات الوزارة الرسمية، من البطالة.

لا تزيد الوظائف التعليمية السنوية عن خمسة آلاف وظيفة، فيما تتخرّج سنوياً أكثر من 72 ألف شابة من 74 جامعة حكومية وأهلية. هكذا، ينضممن إلى أكثر من 480 ألف عاطلة من العمل حالياً، فيما يُتوقع أنّ تنضمّ إليهنّ خلال أربع سنوات أكثر من 700 ألف شابة أخريات. وهذا ما يؤدّي إلى تفاقم الأزمة أكثر فأكثر، وبالتالي إجبار السعوديات على العمل في مهن لم يكنّ يتوقّعنها قبل خمس سنوات فقط.

يؤكد الخبير في مجال التوظيف الدكتور عبد الله المعيلي، أنّ "الشابة السعودية اقتحمت سوق العمل في مجالات لم تكن متوقعة لها في السابق، بسبب ضغط أزمة البطالة المرتفعة"، متوقعاً أن "تتحسّن الصورة قليلاً مع بدء هيئة توليد الوظائف عملها جدياً". ويوضح لـ"العربي الجديد"، أنّ "برامج التحوّل الوطني وهيئة توليد الوظائف تهدف إلى القضاء على البطالة عموماً، وتوليد الوظائف النسائية خصوصاً. لكنّها سوف تواجه تحدياً كبيراً في ملف سوق العمل النسائي". يضيف: "يجب أولاً تحسين سوق العمل الحالي، خصوصاً الحكومي، لا سيما في التعليم والصحة، والانتهاء إلى تحويل النساء إلى مساهمات في تطوير ونهضة الاقتصاد والتنمية في البلاد".


تجدر الإشارة إلى أنّ بيانات رسميّة تفيد بأنّ نسبة الإناث من المستفيدين من إعانة البطالة بلغت أكثر من 82 في المائة، وقد مثّلت الحاصلات على شهادة البكالوريوس الشريحة الأكبر، مع نسبة تصل إلى 42.6 في المائة. وبالنسبة إلى الذكور، فقد مثّل الحاصلون على الثانوية العامة الشريحة الأكبر مع 48.3 في المائة.

لم يكن من الممكن توفير وظائف مناسبة لكلّ السعوديات العاطلات من العمل، لذا بدأن يدخلن إلى مجالات غير معتادة. اليوم، سعوديات كثيرات يعملن كمشرفات في المطاعم الكبيرة، فيما تعمل أكثر من 420 ألف سعودية، بحسب تأكيد وزارة العمل، في قطاع التجزئة وبيع الملابس النسائية وكموظفات صندوق في الأسواق الكبيرة.

تؤكد الناشطة الحقوقية منى أباعود، في هذا السياق، أنّ "المرأة السعودية خرجت من الإطار المحدد لها، وبدأت تكتشف مجالات جديدة". وتقول لـ"العربي الجديد"، إنّ "الصورة التقليدية للمرأة السعودية التي تحصرها في إطار الطبيبة أو الممرضة أو المدرّسة، انتهت. اليوم، ثمّة سعوديات محاميات ومهندسات ومندوبات مبيعات وكذلك سكرتيرات في الشركات الكبرى واقتصاديات في المصارف". وتشير إلى "توجّه كبير لتوظيف السعوديات في مجالات ليست بمستوى عال، كبائعات أو موظفات استقبال أو حارسات أمن، وأنّ ثمّة مصانع تنوي توظيفهنّ في تشغيل المعدات الثقيلة. لكن في المقابل، نجد توجّهاً كذلك لتوظيفهنّ في مهن ذات مستوى عال".


وتشدّد أباعود على أنّه "من غير الممكن توفير وظائف مناسبة (ذات مستوى عال) لكلّ هؤلاء العاطلات من العمل، لذا لا بدّ من أن تتنازل الشابة السعودية في مقتبل حياتها وتبدأ بوظيفة صغيرة لترتقي مع الوقت". تضيف أنّ "أرقام برنامج إعانة العاطلين من العمل (حافز) تشير إلى أكثر من 1.7 مليون سعودية عاطلة من العمل. صحيح أنّ توظيف السعوديات كبائعات أو كاشيرات لن يقضي على مشكلة البطالة، إلا أنّه حلّ مؤقت إلى حين تحسّن الأوضاع". وتتابع: "لا يجب أن يكون الهدف استيعاب العاطلين من العمل كيفما اتفق، بل لا بدّ من أن نوفّر لهم وظائف حقيقية تكفي أسرهم. وهذا الأمر لا يتوفر في تلك التي يطرحها القطاع الخاص والتي لا يتجاوز متوسّط رواتبها 700 دولار أميركي. إلى ذلك، من غير المعقول أن يُطلب في إعلان لموظفة استقبال، شهادة عالية ولغة إنكليزية، ولا يكون الراتب في نهاية المطاف إلا 650 دولاراً فقط".

في سياق متصل، حاولت سعوديات كثيرات البحث عن مجالات عمل مختلفة وغير تقليدية، للهروب من إطار الوظيفة التي لا يرين أنّها تناسبهنّ. سميرة الماجدي، من هؤلاء اللواتي تقول أباعود إنّهنّ "خرجن من الإطار النمطي الموسوم لهنّ، ولن يعدنَ إليه". فالماجدي فتحت محلات للتصوير الفوتوغرافي الخاص بالنساء، لكنّها لا تمانع تصوير الرجال كذلك. تقول لـ"العربي الجديد": "عندما فشلت في الحصول على وظيفة مناسبة بشهادة المحاسبة التي أحملها، فكّرت في العمل على تطوير مهاراتي في فنّ التصوير. وبالفعل، شاركت في دورات مكثفة لتعلّم ما يلائم مجتمعنا". من جهتها، تخصصت ريم الحمد في تنظيم المعارض والمهرجانات الموجّهة إلى الأسرة، ونجحت خلال سنوات قليلة. تقول لـ"العربي الجديد"، إنّ "الدافع الأكبر كان ألا أكون مجرّد رقم في قائمة البطالة. وبدلاً من الانتظار في طابور الوظيفة الطويل، فكّرت في البدء بعمل خاص بالاشتراك مع صديقات ثلاث. وبات لنا اسم معروف في السوق".

من جهة أخرى، كثيرات هنّ العاطلات من العمل اللواتي لا يتوفّر لهنّ المال المناسب لإطلاق مشاريعهنّ الخاصة. موضي السبيعي، من هؤلاء، وهي كانت قد عجزت عن تأمين عمل على الرغم من تخصّصها في الكومبيوتر. اليوم، هي تبيع الحلويات عبر الإنترنت. تقول لـ"العربي الجديد": "لم أستسغ العمل في محل لبيع الملابس النسائية. عائلتي كانت لترفض بالتأكيد، خصوصاً أنّ المقابل المادي لا يشجّع على تحدّي إخوتي. لذا، توجّهت إلى عمل لا يحتاج إلى رأس مال، فأنا لا أملكه في الأساس". تضيف: "كنت أفكر في البداية أن يكون عملاً مؤقتاً إلى حين الحصول على وظيفة. لكنّني نجحت فيه وكثر الطلب".