رين متري.. إحداثيات خريطة الخوف اللبنانية

21 يونيو 2015
الصورة
المخرجة في لقطة من الفيلم
+ الخط -

تخاف كمشاهد أن يرمش ضميرك للحظة وتتعاطف مع ضحية أكثر من الأخرى. تمرّ دقائق الفيلم ويتأكد لك أن ذلك لن يحدث، ستستوفي كل ضحية حقها، ولن تمنع عنك المخرجة اللبنانية رين متري تفصيلاً يتمّم الصورة. كل الشهادات سواء، المجازر أخوات، الضحايا أكثر قرابة من أقرباء الدم والطائفة، والقَتَلة كذلك توائم. لا ساسة في فيلم "لي قبور في هذه الأرض"، الشخصيات التي حضرت تمثّل الإنسان اللبناني العادي.

مع صدور قرار بمنع الفيلم الوثائقي من العرض في لبنان، يتبيّن أن هناك من يريد أن يمنع شهادة الإنسان العادي الذي يستعمل ذاكرته الفردية؛ فهذه الذاكرة كاشفة فاضحة. أما الذاكرة الجمعية فخافية؛ انتمائية بطبعها هوياتية من دون إرادة منها. مهما حاولنا وضع أنفسنا مكان الرقيب والتفكير مثله، فإننا لن نعرف العقلية التي تعتقد أن رواية التاريخ سينمائياً لا تتجاوز "إثارة النعرات الطائفية".

يفتح المشهد الأول من الفيلم على البرية، بكاميرا مهزوزة في يد حاملتها. تثبت الكاميرا فجأة وفقط حين تصل البيت؛ الفيلم برمته مبني حول فكرة البيت، ومن البيت نصل إلى كلمات: حرب، تشرّد، مجازر، ضحايا.

تستكشف المخرجة المشاعر نحو فقدان البيت بالتهجير في الحرب، ثم الخوف من التهجير في السلم. الخوف من التهجير في حالة الحرب أمر مفهوم، أما في حالة السلم فهو ما تحاول متري أن تجد له تفسيراً، الخوف الذي عُرّف لبنانياً بـ"الحرب العقارية"، كيفما حاولت المخرجة فهمه، فإن طريق التفسير يقودها إلى الماضي، حيث عادت لتنقب في مجازر حدثت في قرى لبنانية مختلفة ومن الطوائف كلها، مثل الدامور، تل الزعتر، المسلخ، حرب الجبل...

الشهادة الأولى التي سنستمع إليها هي شهادة متري نفسها. رغم أنها لم تكن تنوي أن تجعل نفسها جزءاً من الحكاية عند التخطيط للفيلم، لكن قرار والدتها بيع منزل الضيعة في "عين المير" سيغيّر رأيها. تقول متري، لـ"العربي الجديد": "كنت أتألم لقرار أمي بيع المنزل، وكنت أريد أن أعرف سبب ألمي، فأنا لم أعش في هذا البيت". قرار بيع البيت (2011) سيأتي تالياً لبيع متري الأرض التي ورثتها عن والدها (2009)، والذي تلقت عليه انتقاداً ونفوراً من أقربائها، إذ كان المشتري مسلماً في ضيعة كل أبنائها من المسيحيين.

ليس لدى المخرجة (1970) الكثير من الذكريات عن الحرب، لكن بعض التفاصيل تلمع أحياناً كضوء قوي تشاهد من خلاله بضعة صور؛ الوقوف على الحاجز وتسليم الهويات من شباك السيارة، سيارة أخرى تمشي في الأمام تجر جثة على الإسفلت، ينزل منها رجال ويرمون رجلاً يئن من الجسر، في الأسفل ثمة جثث أخرى.

اتفق الشهود ضمنياً على تخلّي كل قيادة عن طائفتها في اللحظات التي سبقت المجازر بإيقاف الإمدادت والتصريح "لا نستطيع أن نفعل لكم شيئاً". أحد المقاتلين إلى جانب الفلسطينيين يقول "لم نكن قادرين على إسقاط منطقة مسيحية من دون أن تسقط منطقة إسلامية، لذلك تركوا المسلخ يسقط لكي تسقط الدامور". لأول مرة يتناول فيلم لبناني مذبحة الدامور، التي قتل فيها مئات من المسيحيين جرى اختيارهم بالاسم حسب الشهادة الواردة في الفيلم، والتي يؤكد صاحبها أن من ارتكب المجزرة كانوا لبنانيين وليسوا فلسطينيين.

بذكاء وزّعت متري الشهادات، النساء يروين تفاصيل حميمة لحظة الهروب: "الطبخة على النار"، "بكاء الأطفال واستجداء الأمّهات"، "مقتل الزوج برصاصة على الباب". الرجال تفاصيلهم خارجية: "بيوت مهدمة"، "جثث على الطريق"، "أوامر القيادة". ووفقاً لهذه الشهادات، نشاهد فصولاً متزامنة من تاريخ الحرب الأهلية، وكلما انتهى فصل نرى متري في بيت الضيعة تعلّق صورة.

يحاول الوثائقي الممنوع الإجابة باستمرار عن سؤال لماذا يخاف اللبنانيون بعضهم؟ لماذا يخشون الحياة معاً؟ لماذا يتحدّثون عن التغيير الديموغرافي كتهديد هوياتي خطر، أو كغزو قادم ليجتث هذه الطائفة من هنا، وتلك من هناك؟ لماذا يخافون من شراء أبناء الطائفة الشيعية في المناطق المسيحية، حتى أن بلدية "الحدث" مثلاً منعت سنة 2011 بيع أراضي المسيحيين لمسلمين؟ ولماذا يشتري مستثمرون سعوديون مساحات كبيرة في قرى لبنانية مسيحية ودرزية؟ تريد متري أن تضع بيانات وإحداثيات لـ"خريطة الخوف" التي يعرفها أهل البلد الآن.

يشتغل الفيلم أيضاً على طوبوغرافيا الحرب، ويمدّ خطوطاً غير مرئية تصل بين الآن وآنذاك، يحاول أن يفهم كيف وأين ومتى توقفت لحظة التعايش عن أن تكون. ويكشف أيضاً استمرار الحرب على شكل مشاريع ومخاوف واستعادات وأحداث، بل وكيف يمكن أن يكون الإعمار عنفاً يُمارس ضد بيروت وأهلها. بل ويسأل عن معنى المصالحة، ليكتشف أن فهم اللبناني للمصالحة "المهدّدة" هو ليس النسيان ولا التسامح، بل درجة من القبول ووعد ممكن بألا يتكرّر ما حدث.

بعد خمسة أعوام من الاشتغال عليه، خرج الفيلم بهذه القوة، يسمّي القَتَلة بأسمائهم، يسمّي الضحايا، لا يوراب ولا يرمز، يقابل الشيعي والدرزي والمسيحي والسني والفلسطيني بالتعاطف نفسه، بالموقف نفسه، بالسؤال نفسه. تقول متري: "أنا كلبنانية أعاني يومياً من استمرارية الحرب، كنت أخطط في هذا الفيلم لفهم أزمتي الشخصية وهواجسي، كانت سنوات العمل عليه كلها ألماً في ألم، "من وين جاي مرض البلد؟"، كيف يمكنني أن أتحدث عن موضوع طائفي دون الوقوع بلغة طائفية؟ حتى وأنا أقوم بتسجيل النص بصوتي على الفيلم، كنت أشعر أنني أمشي على بيض يلزمني الكثير من الحذر والتفكير جيداً في كل مفردة".

يكشف فيلمها عن خوف اللبناني الآن، عن وجعه وتناقضاته، يمرّ على "حزام البؤس" حيث الأحياء التي يقطنها الفقراء من كل الطوائف، انضم إليهم أخيراً لاجئون سوريون. يعود كذلك إلى التظاهرات العمالية قبل نشوب الحرب، ومقتل مزارعي التبغ وعمال غندور وصيادي الأسماك في صيدا.

تبدو الشخصية المسيحية في الفيلم الأكثر رعباً اليوم، تراقب ما يحدث في الجوار، وتخاف من التيار السلفي، وتفكر إن "حزب الله" ليس موجوداً في كل المناطق ليدافع عنها، إنها انعكاس للشخصية المسيحية نفسها التي تخاف في موقف آخر أن يشتري الشيعي بيتاً في حيّها أو ضيعتها.
الجزء الأخير من الفيلم يتحدّث عن مشروع "إعمار بيروت" الذي حوّل المدينة إلى بيزنس ضخم لصالح جهة واحدة، خلال تنقيبها تجد مشاريع أخرى كان الحريري بدأها في السبعينيات مثل تلك التي في كفر فالوس، أو تلك التي شاركت جرافات "سعودي أوجيه" في هدم بيوت بعد أن هُجّر أهلها في الحرب دون وجه حق لترتفع مكانها أبنية فارغة لم يسكنها أحد إلى الآن.

التفاصيل لا تُعفي أحداً، تُحمّل الجميع مسؤولية اللحظة اللبنانية الآن التي صنعت مخاوف أهل المدينة الواحدة من بعضهم، وكوّنت كانتونات طائفية لم يستطع معظم اللبنانيين تجاوزها لغاية الآن. قد يعتقد المشاركون في الفيلم أن الواحد منهم عدو الآخر، لكن الفيلم يقول غير ذلك؛ إنهم أبناء محنة واحدة ما زالوا يأكلون ثمارها المرة إلى الآن. أما رين متري فتقول "هذا الفيلم هو طريقتي في التحمّل، في مقاومة يأسي من العيش في هذا البلد، لم يكن بإمكاني أن أستمر دون أن أصنعه".

دلالات

المساهمون