ذكرى بروس لي... ركلة مزدوجة في وجه العالم

21 يوليو 2019
الصورة
مع تشك نورس في "طريق التنين" (Getty)
بين ظلال أروقة ميدان المصارعة الروماني المهيب (الكوليسيوم)، وسط فرجة قطط الشارع، يرزح بروس لي في فيلمه "طريق التنّين" (1972) تحت وابل ضربات خصمه العتيد تشك نورس. فالشاب الآسيوي الجذّاب، الرفيع والقصير القامة، على وشك الانهيار في وجه المارد الأبيض الذي يكيل الضربة تلو الضربة، فالركلة. هكذا، إلى أن نهض بروس لي واستقام، وفي برهة، كالقط، بدأ بالرقص والدوران.

عندها، تبدّل مسار النزال لصالحه، حين كفّ عن مُحاكاة خصمه، لينظر داخل نفسه، باحثاً عن حرّية مطلقة وهوية مُفردة لن تُدرك سوى بالخلاص من قيود الموروث والمدروس، ومن ثم الاحتكام إلى تقدير المُقاتل، سعياً إلى إيجاد التناغم مع ظروف القتال ومُتغيّراته؛ فغاية الفنون العسكرية، كما يراها بروس لي، هي التعبير بصدق عن الذات، عبر موارد حضورها الشخصية والجسمية. 

في "لعبة الموت" (1973)، الفيلم الذي كان ليتوّج مسيرة بروس لي (1940 - 1973) الفنية والفكرية لولا الموت الذي لعب لُعبته وغيّبه عنه قبل إكماله، سيصعد بروس لي الطبقات الخمس لبرج بوغودا بوذيّ، في إيحاء رمزي "بالدروب الخمسة إلى اليقظة"، بحسب بوذية الماهيانا.

ينتظره في كل طبقة مُقاتل يُتقن فنّاً مُعيّناً من فنون القتال ويتّبع أسلوباً دون غيره، مُعتمداً على تكتيكات مُعدّة ومُختبرة.

يُثبت بروس لي، لنفسه أولاً، ثم لمشاهديه، سيولة منظومته القتالية ومرونتها مقابل القوالب الجامدة التي وسمت نظراءه حرّاس الطبقات؛ فيوقع بجميعهم الهزائم. الطبقة العليا والأخيرة، مثلما هو الدرب الأخير الذي يقود الراهب إلى تجاوز كل ما تعلّمه، ستشهد نزالاً يقتضي الانعتاق التام من كل الخبرات السابقة والتعاليم السالفة، وصولاً إلى حالة من النقاء المعرفي الماسح لكل الأساليب الجاهزة.

ذلك المنهج الجامع والعابر للطرق في آن واحد، أطلق عليه بروس لي "الجيت كون دو"، بلغة أهل هونغ كونغ - وتعني طريقة القبضة المُعترضة. المقاتل هنا لا يتّبع مذهباً من المذاهب، وإنما يُتابع تحركات الخصم. لا يقرأ الكتب والمراجع، وإنما يستقرئ سلوك غريمه داخل الحلبة. يبقى في حال وحدة مع اللحظة. يرصد ضربة العدوّ المُقبلة ليعترضها آنيّاً، ليس بانكفاء المدافع، وإنما بمبادرة المهاجم.

في تشابه مثير مع "الضربة الاستباقية" التي ميّزت عقيدة الحرب الأميركية بعد فيتنام، يكمن أثر المجهود الفكري قبل البدني، الذي بذله بروس لي في سبيل بناء نظريته في الفنون العسكرية، ثم اختيار السينما منصّةً لاستعراضها. فقد رأى في الشاشة فضاءً مفتوحاً لن تُتيحه البطولات الرياضية، لكثرة القوانين التي تُكبّل حركة المتنافسين، في فترة لم تكن المصارعة الحرة قد وُلدت بعد.

بيد أن حرب بروس لي لم تنحصر ضمن الحلبة أو موقع التصوير فقط، بل امتدت لتقارع المؤسسة الأميركية من جهة، مُمثّلةً بهوليوود وتنميطاتها الجاهزة إزاء الشخصية الآسيوية، ثم المجتمع الصيني التقليدي المُحافظ من جهة ثانية؛ في الأرض الأم وفي هونغ كونغ وحتى في المهجر الأميركي. نظر الشيوخ إلى الثائر اليافع على أنه أحد الخوارج على العادات التي توارثتها الأجيال سنين مؤلفّات.

الأمر الذي حدا ببروس لي إلى الافتراق يائساً - وإن ظلّ عازماً - عن هوليوود، التي ما كانت بعدُ لتجعل من صينيٍّ بطلاً يطرح النجوم البيضَ أرضاً. في هونغ كونغ، ذات النهج الاقتصادي الليبرالي والمناخ المنفتح بحكم استقلالها عن الصين الماويّة آنذاك، وتبعيتها للتاج البريطاني والغرب، أنتج بروس لي أفلامه بسلطة فنيّة شبه مُطلقة جعلته في سنين قليلة، نجماً عالمياً وأسطورة.

في هونغ كونغ، تمكن بروس لي من قتل خصمه الأبيض تشك نورس ختامَ فيلم "طريق التنين"، ثم تغطيته تكريماً له بسترته وحزامه. لمسةُ فروسيةٍ ما كانت هوليوود لتمنحها لشرقي على حساب غربي. في هونغ كونغ، وفي "لعبة الموت"، خلع رداء الكونغ فو التقليدي ليرتدي سترة صفراء خالدة، لما للّون الأصفر من رمزية، فيظهر كسوبر هيرو آسيوي فاتحاً عوالم مجلّات الكوميك بوكس الأميركية.

ركلة بروس لي الخالدة والمزدوجة تلك قد أصابت إرثه الثقافي أيضاً. فنيّاً، بحكم فِكره المستنير المجتاز للسنن والمذاهب، قد أسهم في العبور بفن "الويه تشن" القتالي الصيني إلى العالمية. ليس بتسويقه كسلعة سياحية، وإنما بتطويره عبر تطعيمه بدراسات الغرب النظرية وتطبيقاتها العملية، التي بلورت فنوناً قتالية كالملاكمة والمبارزة والكيك بوكسينغ، وخصوصاً لجهة تحرير أسفل الجسم حركياً.

تمكّن بروس لي من أن يجعل الكونغ فو، ليس فنّاً للحرب وحسب، وإنما فناً للحياة. قد واءم بين الأنا الفردية، التي طبعت الفلسفة ونهج الحياة الغربيين منذ مطلع القرن العشرين، وبين نفي الأنا وذوبانها في الكلي كما في البوذيّة والطاويّة، التي راجت في سبعينيّاته. ففي "الجت كون دو" تبدو الروح الشرقية أكثر تقبّلاً للفردية، بينما تبدو الأنا الرأسمالية أكثر احتضاناً للوجود.

عالمياً، من خلال تبنّي قيمة حداثية كالتعبير الصادق عن الذات شعاراً وغايةً ومنطلقاً لتعلم وممارسة فنون القتال، اجتذب بروس لي رموزاً غربيين كباراً من نجوم سينما ومشاهير فكرٍ وعلمٍ وفن عبر العالم. أدرك، ببصيرة نافذة، قوة الصورة المرئية في إيصال رسالته إلى كل الناس. لذا، اتخذ النجومية السينمائية له طريقاً وعرة ومساراً مفعماً بالموانع والعوائق، ليبلُغَ جماهيريةً بسعة البسيطة.

في حوار تلفزيوني نادر يعود لسنة 1971، سأل الإعلامي الكندي الراحل بيير برتون ضيفه بروس لي أن يختُمَ موجِزاً فلسفته في الفن والرياضة وفي الحياة، فأجاب: "صفِّ ذهنك، كن بلا شكلٍ، كن بلا قالب كالماء. فالماء إن حلّ في الكأس صارَ الكأسَ. إن حلّ في زجاجة صارَ الزجاجة وإن حلَ في الإناء صارَ الإناء. بمقدور الماء الدَفَق كما باستطاعته الصَدْم، فكن ماءً يا صديقي".

دلالات