دَيرا سمعان وقلعة... موقعان أثريان فلسطينيان في قبضة الاستيطان

19 سبتمبر 2020
الصورة
المستوطنات تحتل المناطق التاريخية (حازم بدر/ فرانس برس)

القرار الذي اتخذته سلطات الاحتلال الإسرائيلي، مؤخراً، بالاستيلاء الكامل على خربتي دير قلعة ودير سمعان الأثريتين، غربي محافظة سلفيت، شمالي الضفة الغربية المحتلة، يأتي بعد إحكام الاحتلال قبضته عليهما، إذ عمل لسنوات على إحاطتهما بالمستوطنات والبؤر الاستيطانية (مستوطنات أيضاً لكنّها غير مرخصة إسرائيلياً) من عدة جهات، وآخرها التوسعة التي قام بها لصالح مستوطنة "ليشيم" المقامة على أراضي قريتي دير بلوط وكفر الديك، القريبتين من المكان، ونشره إعلاناً باللغة العبرية يفيد بالاستيلاء على الموقعين. وتبلغ مساحة دير قلعة 18 دونماً تقريباً، ودير سمعان أكثر من ستة دونمات، والمسافة بينهما لا تزيد عن كيلومتر واحد فقط.
استيلاء ونهب ممنهجان يطاولان مواقع بعينها يجري ضمها إلى البؤر والتجمعات الاستيطانية، من أجل تحويلها إلى مناطق سياحية تخص المستوطنين لربط تاريخ هذه المستوطنات بتاريخ المواقع الأثرية التي يتم وضع اليد الإسرائيلية بالقوة عليها، وفق مراقبين. ويعد دير سمعان من أهم المواقع الأثرية في محافظة سلفيت، إذ يعود للحقبة الرومانية، فهو مبني من حجارة منقوشة كما رصعت أرضيته بالفسيفساء البيضاء والملونة والرخام، إلى جانب الزخارف المعمارية التي تنتشر فيه، والتي تعود إلى العهد البيزنطي، كما تظهر بقايا الأدراج والجدران الاستنادية التي كانت تؤدي إلى الدير. هذا الأمر جعل الموقع عرضة لاستهداف مباشر من الاحتلال ومستوطنيه على مدار العقود الماضية، وفق خطة محكمة قامت على سرقة الآثار الموجودة فيه تحديداً الحجارة، مع العمل على تغيير معالمه ليبدو كأنّه موقع يهودي، وفق مدير مديرية وزارة الآثار في سلفيت منتصر موسى، كاشفاً لـ"العربي الجديد" أنّ سلطات الاحتلال تتذرع بأنّ المكان مقام ديني يهودي، ويعمدون إلى تنظيم الزيارات له بشكل دائم من أجل تعزيز روايتهم الكاذبة، تماماً كما يجري في قبر يوسف في نابلس ومسجد بلال في بيت لحم ومقامات كفل حارس، وغيرها. 

يوضح موسى أنّ الأمر تعدى إلى سرقة الآثار والحجارة القديمة من تلك المنطقة، ونقلها إلى داخل المستوطنات المجاورة واستعمالها في بناء البيوت والمرافق العامة، في محاولة يائسة للادعاء بوجود جذور تاريخية لتلك المستوطنات. ويقع الدير ضمن المناطق المصنفة "ج" وفق اتفاق أوسلو، وهو بحسب موسى، ما شكل صعوبة في وصول الفلسطينيين إليه لحمايته وترميمه، ووفر فرصة لتجار الآثار اليهود للتنقيب عن الآثار هناك وسرقتها، بالإضافة إلى الاستيلاء على نحو 850 دونماً من المنطقة لصالح الأراضي المقامة عليها المستوطنات، بهدف الالتفاف على الموقع الأثري وضمه ليصبح ضمن حدود وهيكلية المستوطنات، وهو ما تم لاحقاً.

دير سمعان ودير قلعة- عن فيسبوك

 

أما دير قلعة المقام في أعلى قمة جبل القلعة، شرقي قرية دير بلوط، في محافظة سلفيت، فالتقديرات تشير إلى أنه شُيد في القرنين الخامس والسادس الميلاديين، في عهد الإمبراطور جستنيان الأول. وللدير أهمية تاريخية واستراتيجية، إذ يقع على تقاطع طرقات اللد وقيسارية ونابلس، وتبرز أهميته الدينية في كنيسته ظاهرة المعالم، ومحرابه، وغرف العبادة فيه. وقبل عمليات التنقيب الإسرائيلية الأخيرة، كشفت المسوح الأثرية عن بوابة رئيسية في الجدار الجنوبي لدير قلعة، إذ تتناثر في المكان بقايا معمارية من أعمدة وتيجان تحمل رمز الصليب، كما تظهر في المكان بقايا الخزان المائي المركزي، الذي يعتبر من أكبر الخزانات المائية المعروفة في فلسطين في الفترة البيزنطية. لكنّ زيارة سريعة للمكان بالرغم من خطورتها البالغة بسبب التواجد الدائم لقوات الاحتلال وعصابات المستوطنين، تكشف تعرضه للتنقيب المدمر، إذ تختفي قطع فسيفساء بأكملها من الموقع، وقد جرى نقلها إلى متاحف إسرائيلية، وفق تقرير لوزارة السياحة والآثار الفلسطينية عام 2005، يفيد بقيام خبراء آثار إسرائيليين بحملات تنقيب واسعة في أراضي دير بلوط، تم الكشف فيها عن سلسلة من الغرف والأرضيات الفسيفسائية الملونة والعادية، عليها رسوم، بالإضافة إلى الكشف عن قنوات مائية، وصهاريج ومعاصر عنب ومدافن.

دير سمعان ودير قلعة- عن فيسبوك

 

الأخصائي في شؤون الاستيطان، رائد موقدي، يؤكد لـ"العربي الجديد" أنّ الاحتلال يتعمد من خلال المرشدين السياحيين التابعين له إرسال رسائل للوفود السياحية التي تزور المنطقة، تروّج لروايته، وتعزز ذلك من خلال توزيع كتيبات تحوي مغالطات تاريخية ودينية، بالإضافة إلى تثبيته عشرات اللافتات التعريفية باللغة العبرية، التي تحوي مسميات يهودية.
ويشدد موقدي على أنّ ذلك يعد مخالفة صريحة لتعليمات منظمة اليونسكو، التي تحض على الحفاظ على تاريخ المواقع الأثرية، وتمنع إجراء أيّ تغييرات عليها. ووفق موقدي، فإنّ محافظة سلفيت تعتبر ثاني أكثر المحافظات بعد القدس المحتلة عرضة لسرطان الاستيطان، إذ إنّ فيها 19 تجمعاً سكانياً فلسطينياً، وفي المقابل هناك 24 مستوطنة إسرائيلية و9 بؤر استيطانية، بالإضافة إلى معسكرين لجيش الاحتلال مقامين على أراضي محافظة سلفيت، تسيطر على نحو 68 في المائة من مساحة المحافظة. 

وتضم محافظة سلفيت أكثر من 130 موقعاً أثرياً، معظمها في المنطقة "ج"، ويمنع فيها الاحتلال الفلسطينيين من القيام بعمليات الترميم وتحويلها إلى مزارات سياحية، وفق وزارة السياحة والآثار الفلسطينية. والديران يعتبران كغيرهما من المواقع الأثرية التي يزيد عددها عن 22 ألف موقع أثري منتشرة في فلسطين التاريخية، عرضة للاندثار والتدمير بفعل سياسة الاحتلال الإسرائيلي الذي أحكم قبضته على تلك المواقع وحدّ من نشاط السلطة الفلسطينية فيها من خلال الإعلان عنها مناطق عسكرية مغلقة أو مناطق مصنفة "ج".
وشكلت عملية استهداف الآثار التاريخية خلال سنوات الاحتلال المتعاقبة جزءاً أساسياً من الحرب الشاملة التي يشنها الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني، في محاولة لطمس الهوية الثقافية الفلسطينية وإخفاء حضارتها ومعالمها. وتعرض الموقعان سابقاً لاعتداءات أثناء قيام سلطات الاحتلال بإنشاء مستوطنة قريبة من الموقع، إذ أزالت بعض المعالم الأثرية الهامة، والاحتلال اليوم يقوم بمصادرة الموقع الأثري كاملاً بموجب قرار عسكري للسيطرة على مقدرات الموقع الثقافية وعزله عن المنطقة.
ورأت وزارة السياحة والآثار الفلسطينية بقرار الاحتلال بالمصادرة مخالفة لجميع القوانين الدولية، وأنه يتعارض مع الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقيات لاهاي وجنيف الرابعة وقرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة التي تمنع القوة المحتلة من مصادرة وضم وتدمير الممتلكات الثقافية في الأراضي التي تحتلها.