"هذا حقي" في سلفيت

22 يوليو 2020
الصورة
ميسم وكفاح (العربي الجديد)
+ الخط -

كان الثامن والعشرون من سبتمبر/ أيلول من عام 2007 يوماً غير عادي في حياة كفاح شاهين، وأسرتها، التي تقطن في مدينة سلفيت، شمالي الضفة الغربية، في فلسطين المحتلة، ففيه أنجبت كفاح طفلتها ميسم، الابنة الثالثة في أسرة مكونة من ستة أفراد، وسط فرحة غامرة، لتكتشف لاحقاً أنّ لديها متلازمة داون (إعاقة ذهنية معروفة بتثلث الصبغي 21)، وهو ما شكّل دافعاً لديها لتأسيس جميعة لرعاية هؤلاء الأشخاص.
في البداية، لم تلحظ الأم أيّ اختلاف بين المولودة الجديدة وبقية أطفالها، لكن بمرور الزمن تبيّنت حالتها، بالإضافة إلى إصابتها بثقب في القلب. تقول شاهين لـ"العربي الجديد": "كانت صدمة كبيرة، لكنّ الله ألهمنا الصبر، وفي الوقت نفسه القدرة على اتخاذ القرار السليم، وهو التعايش مع الحالة، وتحويلها من محنة إلى منحة، وهذا ما جاء بعد جهد كبير بذلته على الصعيد الشخصي، أسفر بعد معاناة طويلة عن ولادة جمعية هذا حقي، لتشكل حاضنة لميسم وأمثالها".

شاهين التي درست القانون في جامعة "النجاح" الوطنية بنابلس، وعملت بمكتب للمحاماة في سلفيت، اتخذت قراراً حاسماً بأن تتفرغ كلياً لمتابعة حالة ابنتها ميسم، وتقول: "لم تكن مهمة سهلة، ففي ذلك الوقت، أي قبل 13 عاماً، كنّا نعاني في سلفيت من نقص كبير في المؤسسات والأشخاص المتخصصين بعلاج ومتابعة من لديهم متلازمة داون، فكان الحلّ بالبحث عن بدائل في مدن أخرى مثل نابلس ورام الله، وحتى في العاصمة الأردنية عمّان، وهذا الأمر احتاج مني إلى جهد كبير وتفرغ شبه كامل، فقررت ترك العمل، وتخصيص وقتي لميسم". وتتابع الأم: "كنت أسمع بمتلازمة داون من خلال الإعلام، لكن أن تعيش التجربة فهو أمر مختلف كلياً، إذ لم أكن أعرف كيف أتصرف معها؟ هل تأكل وتشرب مثل بقية الأطفال؟ أم أنّ هناك غذاءً خاصاً بها؟ وماذا بشأن السلوك؟ والأهم هو كيفية التواصل معها... وهي التي لم تكن تستطيع أن تلفظ إلّا بعض الكلمات البسيطة وغير المفهومة، لكنّ التحدي الأكبر كان بالنسبة لي هو دمجها في المجتمع، مع أشقائها وعائلتها والجيران والمحيط برمته". تضحك كفاح قائلة: "لي من اسمي نصيب، فتجربتي كفاح بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ كفاح مع ذاتي، وكفاح مع أهلي ومحيطي، وكفاح شاقّ ومتعب جداً مع المجتمع، الذي يقصر كثيراً بحق هذه الشريحة التي تفيض براءة وبساطة". وتلقت كفاح عدة دورات وتدريبات، وراكمت خبراتها وباتت قادرة على نقلها للآخرين، حتى إنّ إصرار أم ميسم دفعها لإكمال الدراسة، فنالت شهادة الماجستير في التربية الخاصة.
وتعترف كفاح أنّ هناك ضعفاً كبيراً لدى أسر الأشخاص ذوي الإعاقة من نوع "داون"، في آليات التعامل معهم، وتقول: "كثيرون هم في المناطق المهمشة، ويخجلون من الاعتراف بوجود طفل لديه داون لديهم، وقد يخفونه عن الأنظار ويبقونه حبيس البيت لسنوات طويلة، والأسوأ هو الظلم المجتمعي الواقع على هذه الشريحة، والألقاب التي يطلقها البعض على المصابين مثل كلمتي: منغولي، ومجنون وغيرهما، وهذا دليل على عدم الوعي وضعف الثقافة في هذا الجانب".
كانت كفاح تلمس أنّ ابنتها ميسم مميزة، ولديها ما هو مختلف عن الآخرين، لكن ما السبيل لإظهاره؟ تقول كفاح: "توسعت مداركي حول خصائص هذه الفئة عندما قرأت كثيراً عنها، وتصفحت عشرات المواقع الإلكترونية، وشاهدت مقاطع من فيديو عبر يوتيوب، لاختصاصيين من دول العالم، فكانت قناعتي تتعزز يومياً بضرورة إيجاد حاضنة لميسم وأمثالها". ومن هنا دارت كفاح لسنوات على الوزارات والدوائر الرسمية لتقنعها بفكرتها، حتى حولت الحلم إلى حقيقة، وحصلت على موافقة بتأسيس جمعية تستقطب الأشخاص ذوي الإعاقة عموماً، ومن لديهم متلازمة "داون" خصوصاً. فبعد سنوات ست على ميلاد ميسم، وتحديداً عام 2013، افتتحت كفاح شاهين جمعية "هذا حقي" كمبادرة ذاتية، لسد حاجة محافظة سلفيت الملحة إلى مثل هذه الجمعيات، بهدف نشر الوعي في المجتمع، والتأهيل، والتدخل المبكر والمناسب، للأطفال ذوي الإعاقة. تعلق كفاح: "يومها شعرت كأنّي ولدت من جديد، فهو حلم تحوّل إلى واقع. بدأنا بعددٍ قليل من الأطفال، لكنّنا اليوم نقدّم خدماتنا لأكثر من مائة طفل وطفلة من مختلف قرى وبلدات محافظة سلفيت، وهؤلاء لديهم صعوبة في النطق ويحتاجون إلى تأهيل أكاديمي".

تحديات
عمل جمعية "هذا حقي" تجاوز جدرانها، إذ تعقد دورات تدريبية في المدارس وزيارة القرى والبلدات المجاورة لمدينة سلفيت لمساعدة الأسر في تجاوز أبنائها العوائق، مع دمجهم في المجتمع. لكنّ الجمعية تواجه تحديات عدة، أبرزها ضعف الوعي المجتمعي بالأشخاص ذوي الإعاقة، وضعف التمويل، وندرة الكوادر المتخصصة.

 

المساهمون