متلازمة "دوان"... تحسين نوعية الحياة في دول الشمال

21 مارس 2019
الصورة
طفل فنلندي (Getty)

حين تبحث في أوضاع الأشخاص ذوي الإعاقة من نوع متلازمة "داون"، في السويد والدنمارك والنرويج وفنلندا وأيسلندا، ستلحظ الحقوق الممنوحة لهذه الفئة.

"تطور هائل شهدته دول الشمال في معاملة الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية من نوع تثلث الصبغية 21، المعروفة بمتلازمة داون، خلال العقود الثلاثة الماضية. فعلى المستوى الصحي، لم يعد هناك ميل نحو الإجهاض أو تأخر في تحسين مستوى حياة هذه الفئة"، بحسب ما تقول لـ"العربي الجديد" المنسقة في "شبكة متلازمة داون" في الدنمارك، لويزا راسموسن.

ولادة أطفال من هذه الفئة في مجتمعات الدول الخمس؛ السويد والدنمارك والنرويج وفنلندا وأيسلندا، لم تعد، منذ زمن طويل جداً، تُربط بخرافات، وبتابوهات اجتماعية؛ فقد تطور الطب في مجال الكشف المبكر ومواكبة فترات الحمل، ويحمي النظامان الطبي والاجتماعي هؤلاء الأشخاص. وبالرغم من ذلك، شهدت بعض سنوات بداية الألفية جدالاً حول اختيار بعض الأزواج الإجهاض، بعد الكشف عن خلل كروموزومي يتجاوز تثلث الصبغية 21. لكن، وفقاً لإحصاءات رسمية، أصبحت النساء يخترن الاحتفاظ بالأجنة بالرغم من الكشف الطبي الذي بفيد بأنّها ستولد بمتلازمة "داون"، وبالرغم من حقهن في الإجهاض. فـ"السجل المركزي الدنماركي للجينات الوراثية" سجل احتفاظ 152 سيدة بأجنة تحمل الأعراض في العام الماضي 2018، مقابل 13 سيدة فقط عام 2017. وهذا الرقم هو الأكبر منذ 2004، إذ بات التشخيص السريع متاحاً لجميع من طالبوا به. ويجري عرض الفحص المجاني في مستشفيات عموم دول الشمال الأوروبي، ويوفر لمن تكون في الأسبوع 11 من الحمل حتى الأسبوع 13.



ما تشير إليه لويزا راسموسن، حول التطور الهائل، تؤكده عدة دراسات في الدول الإسكندنافية، حول الرعاية الصحية والاجتماعية التي تقدمها أنظمة دول الشمال للأشخاص ذوي الإعاقة من نوع تثلث الصبغية 21. وفي هذا السياق، يشير كبير الأطباء في مركز "أوليغو" الدنماركي، كورت سورنسون، الذي عمل طوال أكثر من 30 عاماً مع أطفال لديهم إعاقات مختلفة، إلى أنّ تطورات هائلة رافقت رحلة هذه الدول في مجال البحث العلمي والاجتماعي. فعلى العكس من العقود الماضية، التي لم يكن فيها الطفل الذي يحمل اضطراباً جينياً من هذا النوع قابلاً للعيش طويلاً، بات اليوم المولودون المصابون به يعيشون فترات أطول. يفسر سورنسون أنّه حين أصبح طبيباً قبل نحو 40 عاماً "لم يكن متوسط أعمار هؤلاء الأطفال يصل إلى شهور قليلة، فيما اليوم يصل في المتوسط إلى 60 عاماً لأسباب تتعلق بتحسن المتابعة الطبية، كما بات العلاج المرافق لهذا الخلل كأنّه متابعة لحالة طبية عادية".

استعدادات التعلم قائمة (Getty)


وأدى التحول الإيجابي والتقدم الكبير طبياً في دول الشمال إلى تخفيف المخاطر الصحية المرافقة للمتلازمة، وبشكل خاص ما يتعلق بتشوهات القلب وإعتام عدسة العين والمشاكل الأيضية وسرطان الدم. ويعتبر سورنسن أنّ ذلك التقدم "ساهم في تخفيض معدلات الوفاة بينهم بنسبة 90 في المائة". وتسعى البحوث الصحية خلال هذه السنوات، وفقاً لسورنسن، للتغلب على مشكلة انتشار أعراض مرض "ألزهايمر" بين الأشخاص في هذه الفئة.

أما في مجال التربية والمجتمع، فإنّ تغيراً جذرياً طرأ في دول الشمال الأوروبي، في النظرة والتعامل مع أطفال وكبار متلازمة "داون"، فجمعيات ومؤسسات، حكومية وغير حكومية، تأسست لتشمل هؤلاء برعايتها، وتأهيلهم تأهيلاً صحيحاً اجتماعياً ودراسياً. يأتي ذلك بالترافق مع تقديم "دولة الرفاهية والرعاية" في إسكندنافيا، للأسر التي لديها شخص ذو إعاقة ذهنية من نوع تثلث الصبغية 21، كلّ سبل المساعدة، مالياً ورعائياً لمتابعة تطور الأطفال بسلاسة، وبحسب حاجاتهم الأساسية، مع تخصيص معلمين لهم خبرة في هذا النوع من الإعاقة، لتدريسهم وتدريبهم وتأهيلهم.



تنتشر في مدن الشمال، مدارس متخصصة لأطفال هذه الفئة، ممن باتوا أسرع تعلماً من أوقات سابقة. وليس بغريب أن تقابل شخصاً لديه متلازمة "داون" فيخبرك، مثل غيره من الأشخاص، عن إعاقته وحياته بكلّ إدراك لما يجري معه ومن حوله. وقد تخصصت مجتمعات إسكندنافيا بما تسميه "تحسين نوعية الحياة"، وتأسست مؤسسات خاصة بهذه الفئة، إلى جانب مؤسسات أخرى متخصصة في التوحد والإعاقات المختلفة.

يشار إلى أنّ الأشخاص ذوي الإعاقة من نوع تثلث الصبغية 21، يمرّون خلال فترة المراهقة وفقاً للأنظمة الاجتماعية الإسكندنافية، في مرحلة "السكن الجماعي"، وهو سكن ترعاه الدول ويعيش فيه الشخص مع أشخاص مثله تحت إشراف مربين متخصصين. وهي مرحلة تسمى "صقل الشاب". خلال هذه الفترة يكون الأهل جاهزين لتلبية نداء ابنهم المراهق إن احتاج إليهم أو رغب في العودة. وبذلك، فإنّها أقرب إلى المعسكرات التدريبية بدلاً من المؤسسات العازلة. وهكذا، فإنّ التطور الطبي والاجتماعي ونظام الرعاية في هذه الدول حوّلا قضية متلازمة "داون" من "مرض" إلى تجربة ناجحة، خاضها الأشخاص ذوو الإعاقة أنفسهم، ومعهم المجتمعات.