دعوة إلى التبصّر في الحب

14 فبراير 2020
الصورة

(لونا صفوان)

+ الخط -
الحب يعتبر من العواطف الإيجابية، حتى لو كان تحت بند "من الحب ما قتل"، لكنه يشتمل على مشاعر تبهج النفس، وتجعل من يعيشها منفتحًا على الكون كله، يحب العالم بكل مخلوقاته، يحب الأشياء، يحب الآخرين، يحب حياته مهما بلغت من البؤس والضيق، هكذا هو الحب. 
لكن الحب لا يمكن تعليمه أو غرسه في النفس، لا يمكن شرحه. ولا يمكن إرشاد الشخص كيف يحب، غير أنه يقع في مرمى الثقافة الحاضنة في أي بيئة، فهي إمّا تحتويه وتمدّه بالنسغ اللازم ليعيش، أو تقمعه وتدخله في نطاق المحظور الذي قد يصل إلى مستوى التحريم. هذا بالنسبة إلى الحب بمعناه الشخصي أو الذاتي، الحب بين شخصين، وهو جزءٌ من المحبة التي تتمتع بالرحابة والشمولية، ولكن يمكن استنباته ورعايته وجعله مزهرًا ويانعًا ومالئًا النفوس عن طريق العمل على محاصرة العواطف السلبية وتقليصها حدّ شلّها، فبقدر ما يستطيع الإنسان القضاء على الكراهية والضغينة في أعماقه، يستطيع أن يمنح مساحةً أرحب لمشاعر الحب، وبقدر ما يتوفر من ظروف تساعد الفرد على تحسين مناعته ضد الكراهية والحسد والغيرة والتعصب، فإن الفرد ينمّي طاقة الخير في داخله، طاقة الحب التي تعيد إليه علاقته مع العالم ومع نفسه.
ومثل كل عام، فإن عيد الحب (الفالانتاين) الذي يحتفل فيه العالم في الرابع عشر من شهر فبراير/ شباط من كل عام، مناسبة تفتح الباب على سجال حامٍ بشأن شرعية الاحتفال به، أو عدم شرعيته، على حساب معناه العميق، بصرف النظر عن شخصنة المناسبة أو مصدرها، علمًا أنه كان حتى قبل اندلاع الانتفاضات الشعبية، خصوصا في سورية، وما آلت إليه الحياة بعد انزلاق البلاد إلى حربٍ دمرت الوطن والمجتمع والدولة، كان مناسبة احتفالية بجدارة، إذ تكتسي الأسواق باللون الأحمر، وتبدأ المتاجر والشركات بترويج سلعها قبل المناسبة بمدة، وتبدأ العروض الخاصة لترغيب الناس بالشراء. كانت مناسبةً تنعش الأسواق بكل مجالاتها، حتى الأسواق الافتراضية، ومنها عروض الشركات الخليوية، وتزدهر الحفلات في المطاعم والأندية، وتمتلئ المقاهي، ويزدهر سوق الزهور، خصوصا الحمراء منها، بل يرتفع ثمنها، وإلى ما هنالك من نشاطات متعلقة بالمناسبة كان التجار بارعين في استثمارها. وعلى الرغم من مناهضة هذه المناسبة ومناسبات تشبهها من فئات مجتمعية، ومحاولاتهم منع أبنائهم عنها، إلّا أن الإقبال عليها كان يزداد، إلى أن وقعت الواقعة السورية.
ومع هذا، بقيت شرائح من الشعب تحتفل بهذه المناسبة، على الرغم من الفاجعة التي تتمدّد في فضاء البلاد كلها، في الأماكن البعيدة عن الحرب، أو بالأحرى البعيدة عن ساحات النيران 
والقصف، لأن منظومة الحرب طاولت كل البلاد وحياة كل المواطنين في أي بقعة كانوا فيها، ماعدا قلة ممن يستثمرون في الحرب ويتاجرون بحياة الآمنين، كما تسير الحياة بكل مفاصلها في هذه المناطق، وكأن الحرب تجري هناك، في البعيد، في أماكن لا تنتمي إلى سورية التي صارت بالنسبة إليهم البقعة التي يعيشون فيها في حياة آمنة من القصف والنيران، مهما كانت حياتهم تفتقر إلى مقومات الحياة الكريمة، وهي تفتقر بشدة إلى تلك المقومات.
ما يدفع إلى الحزن والإحباط هو التشوّه الذي طاول منظومة القيم والأخلاق لدى غالبية الناس، فالحرب تتغذّى على الكراهية، وضيق الحياة إذا وصل إلى حدّ الفاقة وانعدام سبل العيش بحدّه الأدنى من الكرامة، سوف ينمّي في النفس النزعة الأنانية التي تنمو وتكبر وتفترس صاحبها وتنهش إنسانيته، الأنانية التي تجرّ خلفها التعصّب الأعمى وكره الآخر، الكراهية البارعة في استخراج ما يغذّي الأنانية، ويعزّز الذرائعية في سلوك الناس وعواطفهم ومشاعرهم، فيموت في أعماقهم، بالتدريج، كل ما يمنحهم هويتهم الإنسانية، ويصبح التشفّي من الآخر نزعةً ترضي النفس بقدر ما تعزّز الشعور بالصواب والرضا لدى صاحبها، باعتبار الآخر مرتكبًا ومسؤولاً عمّا آلت إليه البلاد. حتى الراحلون لم يسلموا من التشفّي فنبشت قبورهم، وهذا سلوك لم يعد غريبًا عن السوريين، بكل انتماءاتهم ومواقفهم. لم يعد الدم السوري الذي أغرق الأرض خلال تسع سنوات من القتل يحرّك عاطفةً تجاه بعضهم بعضا، ولم يعد منظر الآلاف الهائمين تحت البرد والمطر والعواصف يبحثون عن اللا شيء. فقط يهربون من موت محقق إلى موت مؤجّل، لم يعد يثير مشاعر التعاطف والرحمة لدى بعضهم. إنها رائحة الدم التي تستبيح وجدان أكثر الناس سلمًا وأكثرهم نبلاً وكرمًا ومحبة. حتى فلسطين التي رضع السوريون، على مدى أجيال متلاحقة، منذ النكبة الأولى قضيتها، وأنها بوصلة العرب، لم يعودوا يميزون بين الحق والباطل فيما يخصّها، فالكل يجهر بعداوته لإسرائيل، وكأن هذا يكفي للعروبة، وينسون أن الفلسطينيين أشقاء، وشعب مظلوم مهدور الحقوق مسلوب الوطن. سمعنا شماتة بعضهم بسبب صفقة القرن، مثلما يشمت السوريون ببعضهم بعضا، مرّة باسم الإرهاب وأخرى باسم الموالاة للنظام. العروبة التي تشدّق الناس بها على مساحة هذا الوطن تحوّلت إلى شعاراتٍ من شمع، تذوب تحت أشعة شمس الحقيقة، والحقيقة اليوم هي المواقف في الميزان أمام، ليس فقط صفقة القرن، بل إعادة ترتيب المنطقة كلها، بحسب إرادة القوى الكبرى، كل الكيانات العربية ترزح تحت ثقل مشكلاتها وانهياراتها. وتلهث الأنظمة كلٌّ بمفرده لضمان رضا الولايات المتحدة، ومن خلفها إسرائيل، ولكل كيان مبرّراته التي يصنعها الضعف والخوف والتخاذل. غياب المحبة أدّى إلى التفرقة، فتفرقنا ولم تعد الحكمة القائلة "في الاتحاد قوة وفي التفرقة ضعف" تلقى لدينا أذنًا صاغية وبصيرة منفتحة.
العواطف العميقة المتجذّرة في الوجدان الجمعي لا يمكن التأثير بها من دون محفزّات، والجميع 
وقع ضحية هذا الاهتياج الرهيب للكراهية، فإذا كان قد تم الاشتغال بكثافة ودأب على ترسيخ مشاعر الكراهية والتعصب وقتل التراحم بين فئات الشعب ضد بعضها بعضا، إن كان تاريخيًا أو بفعل الحرب التي رفعت نسبة تركيز تلك المشاعر واحتدامها، فإن الاشتغال على تحفيز العواطف المضادة، العواطف الإيجابية التي تؤسّس لطاقة بناء وإنتاج تساعد في النهوض من السقوط المدوّي الذي أصاب بنيان المجتمع وقيمه، هو أمرٌ في غاية الأهمية، ومَن منوطٌ به القيام بمهمة شاقة مثل هذه المهمة؟ إنهم النخب في مختلف مجالاتهم، خصوصا النخب الثقافية التي انزلق قسم منها إلى تحفيز المشاعر السلبية في وقت الحرب واحتدام الاقتتال البيني، فخدموا دعاية الحرب التي أعمت بصائر السوريين عن حقيقة ما يحصل لبلادهم، فإذا بها، في النهاية، مدمرة ومرتهنة ومنزوعة السيادة.
لا يمكن إعادة إحياء الحب والمحبة في مجتمعاتنا القائمة أساسًا على السند العاطفي بوصفه حاملا كبيرا لمنظومة القيم والأخلاق، من دون العمل على نزع الكراهية. ونزع الكراهية لا يتحقق من دون العدالة، والعدالة الانتقالية هي المطلب الملحّ خطوة أولى، وهي لا تتحقق من دون كشف الارتكابات، وتسمية المرتكبين الذين غاصت أياديهم في الدم السوري من كل الأطراف، لأن العدالة لا تكون وحيدة الجانب في قضيةٍ شائكةٍ مارست الأطراف فيها القتل والتشريد والاعتقال والتواطؤ والارتهان للخارج وإنْ بدرجات، مترافقًا مع توجيه بوصلة الوعي نحو الحقائق، والتجرّد من الأوهام. ومقولة: من لا يكره لا يحبّ ليست صحيحة، بل من الأوهام التي تم ترسيخها في لا وعي الناس. الحقيقة أن من يكره لا يعرف الحبّ، ونحن بأمس الحاجة إلى الحب في قادم الأيام، الحب الذي يعلّم التسامح ويجلب الغفران، فإذا أردنا إعادة بناء سورية، وطنا، فلا بد من إعادة رتق النسيج المجتمعي، ومساعدة المجتمع على التعافي من الكراهية، ليعمّر الحب فضاءه.