دعم "الاتحاد الديمقراطي" يهدد علاقة أنقرة وواشنطن

12 فبراير 2016
الصورة
تتخوّف أنقرة من انتشار لـ"الاتحاد" على حدودها (أمين منغرسلان/الأناضول)
+ الخط -

استنفر الدعم الأميركي لحزب "الاتحاد الديمقراطي"، المسؤولين الأتراك الذين بدأوا برفع نبرتهم ضد الحزب، في حملة تشبه تلك التي شنّتها أنقرة، في أواخر التسعينيات، ضد حزب "العمال الكردستاني" مهددة بغزو سورية، والتي انتهت بتوقيع اتفاقية أضنة مع النظام السوري، مما أدى إلى إيقاف الدعم الإيراني السوري لـ"الكردستاني"، بل واعتقال قياداته المتواجدة في سورية وتسليمهم لتركيا، وتوّجت بتعاون الاستخبارات الأميركية وإلقاء القبض على زعيم الحزب، عبدالله أوجلان، وتسليمه إلى السلطات التركية.

ولم يتردد المحور الإيراني السوري بعد اندلاع الثورة السورية، في تقديم الدعم والتعاون مع "العمال الكردستاني"، إثر قيام الحكومة التركية بدعم المعارضة السورية، بعد أكثر من عام من المحاولات التركية المحمومة والفاشلة لدفع النظام نحو القيام بإصلاحات.

لكن يبدو الأمر مختلفاً هذه المرة، فعلى الرغم من أن النظام السوري لم يعترف رسمياً بمناطق الإدارة الذاتية التي أعلن عنها "العمال الكردستاني" في شمال سورية، إلا أن مصالح كل من واشنطن وموسكو والنظام السوري تتقاطع بشكل واضح مع "الاتحاد الديمقراطي". وبعد فشل الإدارة الأميركية في برنامج تدريب وتسليح "المعارضة السورية المعتدلة"، بدا "الاتحاد الديمقراطي" كمنقذ لها من فشل التحالف الدولي، لأكثر من عام، في وضع حد لتمدد "داعش". أما النظام السوري فيرى في "الاتحاد الديمقراطي"، الذي يتبنى خطابه السياسي تجاه فصائل المعارضة السورية، تنظيماً يشترك معه في العداء لأنقرة، بل ويعتبر سيطرته على الحدود السورية الشمالية وسيلة لقطع الإمدادات للمعارضة، ويعتبر أن التفاوض على رأس "الاتحاد الديمقراطي"، في وقت لاحق، سيكون أمراً سهلاً في حال استطاع النظام ضرب المعارضة وإعادة السيطرة على البلاد.

من جهتها، تستفيد روسيا من تمدّد "الاتحاد الديمقراطي"، للانتقام من تركيا التي أسقطت لها طائرة اخترقت الحدود التركية، وكذلك يُسهل هذا التمدّد عملية ضرب المعارضة السورية لصالح حليفها الأهم في المنطقة، وهو النظام السوري.

محطات من الصراع

سقطت المناطق ذات الغالبية الكردية في سورية في كل من محافظة الحسكة ومنطقتي عين العرب وعفرين التابعتين لمحافظة حلب، من يد النظام السوري في صيف 2012، ليكون الصدام الأول بين "الاتحاد الديمقراطي" وكتائب المعارضة السورية المدعومة من تركيا، و"جبهة النصرة"، في مدينة رأس العين في محافظة الحسكة، في بداية عام 2013، عندما اندلعت اشتباكات بين الطرفين، إثر نجاح المعارضة في طرد النظام من المدينة، ليقوم "الاتحاد الديمقراطي" بشن حملة سيطر خلالها على المدينة، بدعم من النظام السوري، في وقت لاحق.

بقيت علاقة الحزب أقرب إلى تبعية للنظام السوري، حتى قام تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، في أيلول/سبتمبر 2014 بشن حملة شرسة على مدينة عين العرب، وأبدى مقاتلو "الاتحاد" شراسة كبيرة في الدفاع عن المدينة، وتحت ضغط تحركات حزب "الشعوب الديمقراطي" (الجناح السياسي للعمال الكردستاني) في تركيا، وبعد تجاوز واشنطن حليفتها أنقرة وتقديمها مساعدات عسكرية للحزب، سمحت الحكومة التركية لأعداد من قوات البشمركة التابعة لحليفها رئيس إقليم كردستان، مسعود البرزاني، بالدخول لدعم المقاتلين الأكراد. كما قامت طائرات أميركية بتقديم دعم جوي لـ"الاتحاد" انتهى برد هجوم "داعش" واستعادة الحزب السيطرة على المدينة وريفها، لتتحوّل العلاقة مع النظام من التبعية إلى تحالف ندّي غير معلن.

اقرأ أيضاً: أردوغان: المدافع عن "الاتحاد الديمقراطي" هو محام لـ"المنظمات الإرهابية"

في هذه الأثناء، استمرت المحاولات التركية، قبل اندلاع الاشتباكات مع "العمال الكردستاني"، في يوليو/تموز الماضي، للتعاون مع "الاتحاد الديمقراطي"، وتم استقبال الرئيس المشارك للحزب في أنقرة عدة مرات، ولكن الحزب رفض الشروط التركية المتمثلة بقطع العلاقات مع النظام السوري، وعدم القيام بأي فعل يستفز تركيا، والانضمام إلى المعارضة السورية في الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة. وعلى الرغم من ذلك، استمر الدعم الأميركي للحزب، حتى استطاع السيطرة على منطقة تل أبيض (ذات الغالبية العربية)، في يونيو/حزيران من العام الماضي، وربط مناطق سيطرته في محافظة الحسكة بمدينة عين العرب، معلناً الرغبة في السيطرة على مناطق غرب الفرات الواقعة تحت سيطرة "داعش"، مما بات يهدد بتشكيل شريط كردي تابع لـ"العمال الكردستاني" على الحدود التركية الجنوبية، ويقطع خطوط إمداد أنقرة للمعارضة السورية. حينها، أعلن الأتراك عن خطهم الأحمر، وهددوا بالتدخّل في حال عَبَر مقاتلو "الاتحاد الديمقراطي" إلى الضفة الغربية للفرات، لتستمر واشنطن في تجاوز حليفتها أنقرة، وتدعم توجّه "الاتحاد الديمقراطي" جنوباً، الذي سيطر على سد تشرين على نهر الفرات، في نهاية ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي.

التطورات الحالية

تحاول أنقرة، منذ أكثر من عامين، تقديم بدائل لواشنطن عن "الاتحاد الديمقراطي" في الحرب على "داعش"، لكن من دون جدوى، إذ رفضت الإدارة الأميركية الضغط على "الاتحاد الديمقراطي" لإدخال قوات البشمركة السورية التابعة للأحزاب الكردية المتحالفة مع أربيل، الأمر الذي أكده فؤاد عليكو، عضو المجلس الوطني الكردي وعضو هيئة التفاوض التابعة للمعارضة السورية. كما أن أنقرة اقترحت بعض فصائل الجيش الحر التي تتلقى منها الدعم المباشر منها والمعروفة بـ"اعتدالها" كتلك المتواجدة في ريف حلب الشرقي التي ما زالت تخوض معارك ضد "داعش"، وذلك خلال زيارة رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، الجنرال جوزيف دانفورد، إلى أنقرة الشهر الماضي، ولكن أيضاً من دون جدوى.

حتى إن تركيا اقترحت التدخّل العسكري المباشر لقتال "داعش" وقطع الطريق على "الاتحاد الديمقراطي" للسيطرة على منطقة غرب الفرات، ولكن الإدارة الأميركية لم توافق على ذلك، كما رفضت الأخيرة إقامة منطقة آمنة او منطقة حظر طيران. مع هذا استمرت محاولات أنقرة لإقناع واشنطن بالعلاقة العضوية بين "الاتحاد الديمقراطي" و"العمال الكردستاني" وقيادات جبل قنديل التي تدير العمليات العسكرية على الأرض، وقدّمت تقارير عن الأسلحة الأميركية التي تم العثور عليها بحوزة "الكردستاني"، خلال عمليات الجيش التركي في مدن وبلدات جنوب شرقي البلاد، خلال زيارة نائب الرئيس الأميركي جو بايدن إلى إسطنبول، وعلى الرغم من ذلك استمرت التصريحات الأميركية التي تفصل بين "إرهاب العمال الكردستاني والاتحاد الديمقراطي".

لكن صبر أنقرة نفد، خصوصاً بعد التحالف الواضح بين "الاتحاد الديمقراطي" والروس، الذي تم تتويجه بفتح ممثلية للحزب في موسكو، يوم أمس الأول، لتشن الحكومة التركية حملة شرسة ضد علاقة واشنطن بـ"الاتحاد"، وصلت إلى الحد الذي خيّر فيه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، واشنطن بين التحالف مع أنقرة أو "الاتحاد الديمقراطي"، متهماً الإدارة الأميركية بالخداع. كما أن الخارجية التركية استدعت السفير الأميركي في أنقرة، بعد قيام مبعوث الرئيس الأميركي لشؤون التحالف، بريت ماكغورك، بزيارة مدينة عين العرب، ولقائه بعدد من قيادات "الاتحاد الديمقراطي"، بمن فيهم جان بولات، أحد أهم قيادات "العمال الكردستاني" المطلوبين لأنقرة. ثم ظهر التقدّم الذي تُحققه قوات "الاتحاد الديمقراطي" على المعارضة السورية في ريف حلب انطلاقاً من منطقة عفرين، بتغطية من الطيران الروسي.

وعلى الرغم من أن تصريحات المسؤولين الأميركيين الأخيرة لا تُعبّر عن أي تغيير في الموقف من "الاتحاد الديمقراطي"، لكن من المتوقع أن يكون للضغط التركي على واشنطن تأثير، إذ تبقى تركيا الحليف الاستراتيجي الأهم للولايات المتحدة وأوروبا في المنطقة، والذي استعاد أهميته بشكل أكبر أخيراً بعد أزمة اللاجئين في أوروبا، وأيضاً بعد التمدّد الروسي العسكري.

اقرأ أيضاً: افتتاح مكتب تمثيل لـ"أكراد سورية" في موسكو

المساهمون