خيول اليمن: كجلمود صخرٍ حطّه القصفُ من عل

03 ابريل 2020
الصورة
تعد الخيول اليمنية من أعرق سلالات الخيول (فضل المهدي/Getty)
+ الخط -
يرتبط اسم الخيل في كتب التاريخ بالحرب؛ إذ لطالما كان لها الدور الأبرز في المعارك، منذ عصور قديمة. وكان الجواد أيضاً معرّضاً للقتل في أي لحظة خلالها، وهو يرمز إلى النبل والوفاء والجمال والقوة في آن، وقد وصفه الشعراء بأبيات خالدة ترددها الأجيال إلى حاضرنا المعيش، كتلك التي كتبها امرؤ القيس في وصف الجواد. في العصر ما بعد الصناعي، بات اسمه مرتبطاً بالسباقات، وأضاف ذلك له قيمة مادية تدخل في إطار الرهانات والتحدّيات، لكنه في اليمن لا يزال إحدى ضحايا الحرب، وإن تغيّر السلاح المستخدم لقتله.

قبل أقل من أسبوع، شن التحالف السعودي الإماراتي الذي يقود حرباً على اليمن منذ مارس/ آذار 2015 ، سلسلة غارات جوية على مناطق متفرّقة من اليمن، غالبيتها في مدينة صنعاء، حيث يقطن أكبر تجمّع سكاني في البلد؛ كردّ على الهجمة الجوية التي شنتها جماعة أنصار الله (الحوثيون) على الرياض تالي الذكرى الخامسة للحرب.

ذعر الجواد
استهدفت غارات التحالف على صنعاء منطقتي عطّان ونقم، بينما توزّعت ست غارات أخرى على إسطبلات الخيول في جناح الفروسية بالكلية الحربية التي تضم أكبر مركز لتربية وتدريب الخيول اليمنية العربية الأصيلة في اليمن، ما أسفر عن نفوق 70 منها، وإصابة 30 حصاناً آخر، ومقتل أحد مربّيها، وهو المدرب مهدي الريمي، في ما وصفها المتحدّث باسم التحالف، العقيد تركي المالكي، بالعملية النوعية لتدمير الصواريخ البالستية التي يهدد بها الحوثيون الرياض.

لساعات، ظل الذعر يطارد صغار السن منها، بينما أخذت الأمهات يطفن حول الضحايا من دون توقّف. يقول بلال الصبري، وهو أحد مربّي الخيول، وأفضل فارس دولي في تصفيات كاس العالم 2018، إن "الهجمة دمّرت خمسة إسطبلات كان بداخلها ما يربو على 180 جواداً ومهرة ولم يتبق سوى إسطبل واحد صغير، بالإضافة إلى تدمير إسطبل العزل الصحي (العيادة البيطرية) الذي تنقل إليه المريضة منها خلال فترة العلاج، وكذا مبنى الإدارة وقاعات المحاضرات ومخزن التبن والأعلاف".

كان التحالف استهدف أحد الإسطبلات في المكان ذاته في عام 2016، إلى جانب استهداف مبنى سكن الفرسان والسيّاس ومخزن السروج، ما أدى إلى مقتل الفرسان، أحمد الحرازي وعلي القفيلي وعبد الله صالح علوان وجرح 12 آخرين، من فرسان المنتخب والكلية، علاوة على إصابة عشرات الخيول، ما دفع بالنشطاء والرياضيين إلى المطالبة بتحييد مثل هذه الأماكن من أجل الإبقاء على الخيول الأصيلة.

متاح للجميع
يعد جناح الفروسية في الكلية الحربية في صنعاء "من أفضل المراكز عالمياً للتدريب على التقاط الأوتاد، وتخرّج منه أبطال دوليون، من بينهم الكابتن مراد الفتيّي والكابتن شاكر عبد الرحمن أبو طالب، وبلال الصبري، في ظل ظروف صعبة نتيجة الحرب"، كما يقول الصبري في حديث إلى "العربي الجديد"، ويضيف أن لا مبرّر للتحالف في جريمة كهذه يعلم علم اليقين أنها على منشأة رياضية لا عسكرية.

يفتح جناح الفروسية في الكلية، على مدار العام، أبوابه للقادمين من محافظات عدة للتسجيل والتدرّب على مهارتي الفروسية والتقاط الأوتاد، برسوم رمزية، كما يصفها الكابتن الصبري، الذي أكد أن "لدى التحالف معرفة بأن الجناح مكان مدني رياضي خاص برياضة الفروسية وركوب الخيل ويمثل ثروة حيوانية من خيول وأبقار أيضا، وهو مكان للتدريب الرياضي وبه يتلقى منتخب اليمن للفروسية تدريباته"، مؤكداً أن "الاتحاد اليمني للفروسية أبلغ الاتحادين الدوليين للفروسية ولالتقاط الأوتاد بأن تلك أماكن رياضية خاصة بالخيول، بل وأطلعهم على إحداثياتها".

يقع الجناح تحت رعاية الكلية الحربية، غير أن ثمة نشاطات مشتركة تجمعه بالاتحاد اليمني للفروسية والهجن، كإشراف الأخير على البطولات وبرامج التدريب، بحسب المسؤول الإعلامي السابق (مالي حالياً) لدى الاتحاد، جابر البواب. يقول البواب إن "حرب التحالف ألحقت أضراراً جسيمة بهذه الحيوانات الثمينة؛ فإلى جانب القصف المباشر، ساهم الحصار والأزمة الاقتصادية في موت الكثير منها جوعاً بشكل مستمر"، ويضيف في حديث إلى "العربي الجديد" أن وضع هذه الفصيلة النادرة من الخيول العربية الأصيلة، سيئ للغاية؛ من جراء نقص الأغذية والأدوية وعجز الاتحاد عن التعاقد مع مدربين وبيطريين ومختصين في رياضة الفروسية للعناية بها ورفع قدراتها والحفاظ عليها.

ترحيل ونتيجة
تعد الخيول اليمنية من أعرق سلالات الخيول في العالم وأقدمها؛ لأن اليمنيين العرب ظلوا يعتنون بسلالات خيولهم الممتازة ويحافظون على أنسابها ونسلها مما جعلها أفضل الخيول الموجودة سابقاً وحتى اليوم على مستوى العالم وأجودها على الإطلاق، بل وأغلاها ثمنا، وفي الوقت الذي تصل فيه قيمة الجواد في بعض البلدان، خاصة الخليجية، إلى ما يتجاوز 100 ألف دولار، لا يصل سعر أجودها في اليمن إلى خمسة آلاف دولار، ولذلك علاقة بالمستوى الاقتصادي الضعيف لليمنيين وانعدام السباقات والتظاهرات الرياضية المتخصصة، وهو ما أدى بكثير من مربي الخيول إلى تهريب الكثير منها إلى السعودية.

مع قيام ثورة الـ 26 من سبتمبر/ أيلول 1962، التي أعلن على إثرها نظام جمهوري في اليمن، قدّمت مصر آنذاك دعماً عسكرياً للثوّار، انتهى بترحيل أعداد كبيرة من الخيول من بينها ما كان ملكاً لبيت حميد الدين (الأئمة الذين قامت الثورة ضد حكمهم)، وهي من أفضل الخيول وقد أهديت لهم من قبائل الجوف، موطن الخيول العربية الأصيلة، وتمتاز بجمال الهيئة وتناسق الأعضاء ورشاقة الحركة، إلى جانب سرعة العدو والذكاء والمقدرة العالية على التكيف مع البيئة.

وقد وجدت نقوش ورسوم من المرمر والرخام وعلى الأحجار صور للخيول اليمنية العربية في فترة حضارات اليمن القديمة التي تمتد إلى القرن العاشر قبل الميلاد، كحضرموت وسبأ ومعين وحمير، وقد استخدم اليمنيون الخيل في حروبهم وتجارتهم وهجرتهم وصيدهم.

محاولة لحفظ النسل
بُعيد ترحيل مصر للخيول اليمنية، أدرك الثوّار الخطر الذي يتهدد سلالة الجياد اليمنية فقررت قيادتهم مطلع العام 1963، تجميع الخيول من عدة مناطق في اليمن إلى "دار البليلي" في الروضة بصنعاء، حيث الكلية الحربية آنئذ، وكان عددها فقط 30 جوادا، وفي 1982 أنشئ جناح الفروسية في الكلية كإدارة منفصلة، تضم ثلاثة إسطبلات بها 120 فرساً مع عيادة بيطرية، وعقب قيام الوحدة عام 1990 أخذ يتوسع بشكل أكبر حتى أصبح، إلى ما قبل استهدافه من قبل التحالف، يضم أكبر تجمّعٍ للخيول الأصيلة في البلد. وفي اليمن العديد من الإسطبلات التابعة لجهات رسمية وخاصة، من بينها جناح الفروسية بكلية الشرطة إلى جانب الحربية وكذا جناح مزرعة رصابة في ذمار وهو تابع للمؤسسة الاقتصادية اليمنية، بالإضافة إلى نادي العاصمة للفروسية ومربط الرعد للفروسية ومركز الحسينية بالحديدة ورئاسة الجمهورية وغيرهم.
اليوم تبات الخيول التي نجت من القصف مشرّدة في العراء، كما يقول الفارس الصبري؛ لأن مساكنها تدمّرت وانتهت، وهي مأساة تضاف إلى مآسي اليمن خلال سنوات الحرب، ليصبح الإنسان والحيوان مشرّدا أو نازحا كما يطلق عليه؛ لتخفيف وقعها على الأذن، نتيجة هذه الحرب التي تكاد لا تنتهي حتى تزهق روح كل جميل في اليمن.

المساهمون