حكام السودان: تطبيع بلا حياء

06 فبراير 2020
الصورة
وقفة احتجاجية بالخرطوم ضد لقاء البرهان بنتنياهو(محمود حجاج/فرانس برس)
+ الخط -
بعد أيام على لقاء رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، يوم الإثنين الماضي، برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أوغندا، وما أعقب ذلك من اجتماعات ماراثونية تواصلت منذ أول من أمس، الثلاثاء، للمكون العسكري، ومجلسي السيادة والوزراء، وتحالف "قوى إعلان الحرية والتغيير" المشارك في الحكم، وقيادة الجيش، تبيّن أنّ التطبيع مع الاحتلال حظي بتوافق داخل مكونات السلطة التي أبدت استعداداً للدفاع عن هذه الخطوة بدون خجل. يحصل ذلك على نحو يفوق ما قامت به العديد من الدول التي انخرطت في معسكر التطبيع في الفترة الماضية. وقد تعزز هذا الاعتقاد بعد مواقف رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، والجيش السوداني، أمس الأربعاء، التي شكّلت غطاءً للبرهان، فضلاً عن تأكيد الأخير، أمس، إبلاغه حمدوك باللقاء قبل يومين من عقده، والذي تمّ على حدّ قوله بترتيب أميركي، واستمراره في تبرير اللقاء قائلاً: "تم بقناعتي الشخصية لأهمية طرق الأبواب كافة من أجل مصلحة الشعب السوداني والنهوض بالدولة". وحده مدير السياسة الخارجية في مجلس السيادة، رشاد فراج الطيب السراج، غرّد فعلياً خارج السرب بتقديمه، أمس، استقالته من منصبه احتجاجاً على لقاء البرهان مع نتنياهو. وقال السراج في بيان استقالته، إنه لم يعد قادراً على العمل "مع سعي رأس الدولة للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي، والكيان الإسرائيلي الذي يحتل المسجد الأقصى".

وواصل البرهان، أمس، تبرير خطوته والدفاع عنها، لا بل الترويج للتطبيع، بعد أن كان قد أصدر، الثلاثاء، بياناً حول خطوته. وقال في حديث للصحافيين، أمس: "إنّ كرة التطبيع مع إسرائيل باتت في يد مجلس الوزراء وهو الذي سيقرر فيها"، مشيراً إلى أنّ لقاءه بنتنياهو، "جاء بعد شعوره بمدى المعاناة الاقتصادية والمعيشية لدى المواطن السوداني، وهي المعاناة التي لا تشعر بها الأحزاب السياسية"، حسب قوله.

وكشف البرهان أنه أبلغ حمدوك بنيته لقاء نتنياهو قبل يومين منه، وأنه لم يفتح باب التشاور حوله مع بقية القوى السياسية، "لأنّ ذلك كان سيفشله قبل بدايته"، نافياً بشدة قطعه "أي وعود للجانب الإسرائيلي"، ومشيراً إلى أنه تعهّد فقط "بطرح الموضوع على المؤسسات الأخرى في السودان لتقييم الخطوة والنظر فيها". 

ولعلّ الموقف الأكثر وضوحاً في سياق تبرير خطوة البرهان جاء من قبل الجيش الذي دعم اللقاء التطبيعي بين البرهان ونتنياهو. وقال الجيش السوداني، في بيان مقتضب، إنّ قيادة القوات المسلحة السودانية اجتمعت، أمس الأربعاء، وناقشت زيارة البرهان إلى أوغندا، ولقاءه بنتنياهو. وأشار البيان إلى أنّ الاجتماع "أيّد الزيارة ونتائجها بما يحقق المصلحة العليا للبلاد"، من دون مزيد من التفاصيل.

وسبق ذلك موقف أقلّ وضوحاً من قبل حمدوك، لكنه لا يمكن تفسيره إلا على أنه تغطية إضافية لخطوة البرهان. إذ كتب رئيس الوزراء منشوراً على صفحته بموقع "فيسبوك"، تضمّن اعتراضاً على تجاوز البرهان "للمؤسسات الأخرى في السلطة الانتقالية"، من دون أن يبدي أي احتجاج على التطبيع مع الاحتلال. ورحّب حمدوك "بالتعميم الصحافي للبرهان حول اجتماعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي"، والذي كان البرهان قد برر فيه خطوته.

وأضاف حمدوك في منشوره: "نظلّ ملتزمين بالمضي قدماً من أجل إنجاز مستحقات المرحلة الانتقالية المهمة وتجاوز التحديات الماثلة أمامنا"، مشيراً إلى أنّ "الطريق إلى التغيير الحقيقي في السودان مليء بالتحديات والعقبات، ومع ذلك يجب أن نعي بأنّ الالتزام بالأدوار والمسؤوليات المؤسسية أمر أساسي لبناء دولة ديمقراطية حقيقية". وتابع: "وانطلاقاً من هذا، يجب على الهياكل الانتقالية ككل ضمان المساءلة والمسؤولية والشفافية في جميع القرارات المتخذة". وفي الوقت عينه، أكد حمدوك أنّ "الوثيقة الدستورية تبقى هي الإطار القانوني في تحديد المسؤوليات، ويجب علينا الالتزام بما تحدده من مهام وصلاحيات".

وسبق ذلك تجاهل جميع المسؤولين في السودان تقديم أي إجابات حاسمة حول أسباب اللقاء بين البرهان ونتنياهو وما إذا كانت هناك خطوات مقبلة محتملة في سياق التطبيع. فيما اكتفت الحكومة ببيان مقتضب لم يتجاوز عدد كلماته الـ77 كلمة، برر فيه البرهان لقاءه بنتنياهو من موقع مسؤوليته بـ"أهمية العمل الدؤوب لحفظ وصيانة الأمن الوطني السوداني، وتحقيق المصالح العليا للشعب"، من دون أن يحدّد طبيعة المخاطر التي تواجه الأمن القومي السوداني من البوابة الإسرائيلية، ولا طبيعية المصالح العليا التي سيجنيها الشعب السوداني، بعد التطبيع مع إسرائيل.

ولم يردّ البرهان في الوقت نفسه على الانتقادات الحادة التي صوبت باتجاه خطوته باعتبارها خيانة للقضية الفلسطينية، وتجاوزاً لمواقف تاريخية للسودان داعمة لها. كل ما جاء في بيانه، الثلاثاء، تأكيد منه على استمرار موقف السودان المبدئي من القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في إنشاء دولته المستقلة، مع استدراك محكم بعبارة "وفق الإجماع العربي ومقررات الجامعة العربية".

كما تجاهل البرهان تقديم تفاصيل أخرى قد تبدو مهمة، على شاكلة هل جاء اللقاء بمبادرة سودانية؟ أم إسرائيلية؟ أم أنّ جهة ثالثة هي التي توسّطت وحددت الزمان والمكان بدقة؟ وما هو حجم الوعود التي قدمها لنتنياهو؟ والعكس، ما هي الوعود التي قدمها له نتنياهو؟ وغيرها من أسئلة ستظلّ معلقة ولو إلى حين.

وتفيد معلومات "العربي الجديد"، بأنّ اللقاء بين البرهان ونتنياهو تخلّله طلب الأخير السماح للطائرات الإٍسرائيلية المتوجة إلى أميركا اللاتينية بالعبور فوق السودان. وبينما أشاد بقطع السودان العلاقات مع حركة "حماس" الفلسطينية، ووعد بتقديم معونات في مجال الزراعة، نصح نتنياهو البرهان بدمج المليشيات في الجيش، بما يعزز مركز الجيش في البلاد. وعلّل ذلك بأنهم "لا يريدون أنّ تستغلّ إيران المليشيات". وقد تحدّث نتنياهو عن الخطر الإيراني طويلاً، وأكّد أنّ "ما يهمهم هو أمن مصر، وألا يأتيها تهديد من السودان". كما ترددت معلومات بأنّ تعامل نتنياهو مع البرهان كان متعالياً.

وبذلك، يكون الأمر الوحيد الذي قدم فيه عبد الفتاح البرهان اعترافاً مبطناً، من حيث الشكل والإجراء لا الموضوع، هو تسليمه بخطأ تدخّله في صلاحيات ليست من صلاحياته، بلقائه نتنياهو، لجهة أنه ليس الجهة الحكومية المختصة. إذ قال في البيان: "إنني أؤكد على أنّ بحث وتطوير العلاقة بين السودان وإسرائيل مسؤولية المؤسسات المعنية بالأمر، وفق ما نصت عليه الوثيقة الدستورية".

وصدر ذلك الاعتراف بعد احتجاج وزراء في حكومة عبد الله حمدوك، بشكل وبآخر، على تغييبهم عن اللقاء والتخطيط له، تماماً كما جاء في بيان وزير الإعلام، المتحدث باسم الحكومة، فيصل محمد صالح، وورود الأمر بصورة أوضح في بيان لتحالف "قوى إعلان الحرية والتغيير"، الذي قال إنّ "إحداث تغييرات جذرية في قضية سياسية بحجم قضية العلاقة مع إسرائيل، هو أمر يقرره الشعب السوداني عبر مؤسساته التي تعبر عن إرادته"، وهي الحيثيات ذاتها التي استخدمتها كل القوى السياسية الرافضة للقاء.

وبحسب متابعات "العربي الجديد"، فإنّ كل أعضاء مجلس الوزراء وفي اجتماع منفصل مع تحالف "الحرية والتغيير"، أجمعوا على رفض اللقاء لسببين: الأول تجاوزه العمل المؤسسي وتغوّل البرهان على صلاحيات مجلس الوزراء، فيما السبب الثاني موضوعي برفض مبدأ التقارب مع إسرائيل وتجاوز المواقف السودانية التاريخية الداعمة للقضية الفلسطينية.

كما علمت "العربي الجديد" أنه في الاجتماع الأخير الذي جمع مجلسي الوزراء والسيادة، فوجئ كثر بأنّ البرهان غيّب الجميع، ولم يستشر حتى أقرب المقربين منه، مثل نائبه الأول، الفريق الأول محمد حمدان دقلو، المعروف بـ"حميدتي"، ولا بقية أعضاء مجلس السيادة، أو حمدوك بشأن اللقاء بنتنياهو. وأكدت المصادر أنّ البرهان أبلغ المجتمعين بأنه اتخذ قرار لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنفسه، اعتقاداً منه أنّ في ذلك مصلحة عامة، وبأنه يحقق مصالح عليا، لكن تلك المبررات لم تكن كافية، فقوبل بانتقادات حادة أدت إلى توتير الأجواء داخل الاجتماع، ما اضطره لرفعه لمزيد من التشاور أكثر من مرة.

ثمّ توافق الجميع على إلزام البرهان بإصدار البيان الذي تمت صياغته بعناية، بحيث يضع النقاط على الحروف، ولا يضع في الوقت نفسه رئيس مجلس السيادة في حرج كبير أمام الرأي العام. وهو ما رفضه البرهان في البداية، لكنه رضخ له بعد ضغط كبير.

وتوصّل الاجتماع كذلك إلى ضرورة تشكيل لجنة تضع حداً للتضارب في الصلاحيات بين مجلسي السيادة والوزراء، خصوصاً أنّها ليست المرة الأولى التي يخرق فيها البرهان أو مجلس السيادة ككل قواعد العمل المؤسسي التي حددتها الوثيقة الدستورية.

وتفتح هذه التطورات، وما أظهرته هذه الاجتماعات، الباب من جديد لمحاولات الاصطفاف بين المكوّن العسكري والمكوّن المدني، بحيث يستقوي البرهان بالمؤسسة العسكرية، فيما يستقوي المكوّن المدني بالشارع و"قوى الحرية والتغيير"، ولا سيما الجهات التي تحمل توجهات معادية للولايات المتحدة وإسرائيل، مثل الحزب الشيوعي وحزب البعث والحزب الناصري، وهي أحزاب مؤثرة في تحالف "الحرية والتغيير"، ولديها ممثلون بشكل أو بآخر في الحكومة الانتقالية على مستوى مجلسي السيادة والوزراء.

ويسود إرباك وتضارب في تحليل المواقف الرسمية الصادرة بشأن لقاء البرهان ونتنياهو. وفي السياق، قال اللواء المتقاعد أمين مجذوب، في حديث مع "العربي الجديد"، إنّ بيان الجيش السوداني "يؤكّد على انضباطه وصوغه بعناية وبكلمات محسوبة أرادت تأكيد دعم المؤسسة العسكرية لقائدها من دون الدخول في تفاصيل أخرى سياسية، وذلك بعدما أثار اللقاء حراكاً سياسياً كثيفاً". لكنّ القيادي في تحالف "الحرية والتغيير"، ساطع الحاج، اعتبر في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "الجدل قد حسم تماماً بواسطة مجلس الوزراء والحرية والتغيير، وأوقفت أي محاولة للتطبيع مع إسرائيل، كما أوقف تكرار خرق نصوص الوثيقة الدستورية".

وأشار الحاج إلى أنّ "التطبيع مع إسرائيل ليس من أولويات الحكومة الانتقالية المحددة في 16 مهمة فقط، على رأسها تفكيك النظام الاستبدادي السابق، والوصول لحكم ديمقراطي في نهاية الفترة الانتقالية". وحول بيان الجيش السوداني المتماهي مع قائده العام عبد الفتاح البرهان، قال الحاج إنّ "الجيش مؤسسة قومية ولا ينبغي لها التدخل في الشؤون السياسية، وفق نصّ الوثيقة الدستورية التي حدّدت مهام الجيش في الدفاع عن الوطن، وحماية حدوده، وليس تأييد خطوات سياسية لقائده العام".

في المقابل، رأت الصحافية السودانية، شمائل النور، في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ البيانات الرسمية الصادرة من مجلس الوزراء وتحالف "الحرية والتغيير"، "لم تبتّ بشكل واضح في موضوع التطبيع، وجادلت أكثر في اختطاف القرار بواسطة البرهان من مجلس الوزراء، ما يعني أن الخطوة البرهانية لم تحبط بالكامل، وبالتالي قد تبرز في وقت من الأوقات بطريقة أكثر مؤسسية".

وطوال التاريخ الحديث قابل الشعب السوداني محاولات التطبيع ببرود شديد واستهجان كبير، حتى تلك المحاولات الخجولة التي تبناها شفاهية سياسيون وأكاديميون وإعلاميون. ولعلّ التقارب الأبرز في السنوات السابقة في هذا الشأن، كان من خلال التعاون من قبل نظام الرئيس الأسبق جعفر نميري، في ثمانينيات القرن الماضي، في نقل اليهود الفلاشا من إثيوبيا إلى إسرائيل، وهي حادثة بمجرد رفع الغطاء عن سريتها، تراجع عنها نميري بسرعة، وبعد سقوط نظامه عام 1985، تمت محاكمة المتورطين فيها، وحكم على بعضهم بالسجن باستثناء نميري الذي كان خارج البلاد.

غير أنّ الصحافي السوداني محجوب محمد صالح، قال إنه "لم تطرح دعوة للتطبيع مع إسرائيل بتلك القوة والوضوح كما حدث في الأيام الأخيرة"، مشيراً في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أنه "قد تكون هناك محاولات جرت في السابق وراء الكواليس وبصورة سرية". واعتبر أنّ "ما أفشل المحاولة الأخيرة من قبل البرهان، هو عدم اتباع الطرق المؤسسية، لذا وجدت الرفض من ناحية الشكل والمضمون". ورأى صالح أنّ التبرير الذي تم لهذه المحاولة لم يكن مقنعاً"، موضحاً أنّ "اللقاء فتح باباً يمكن أن يتواصل بصورة سرية أكثر منه في العلانية، وقد تجد الدعم في ظلّ تلاشي فكرة مقاطعة إسرائيل في كل العالم العربي". وتابع "لكن التقدّم نحوها يحتاج إلى أن تعيد إسرائيل حساباتها، وتقدّم نفسها بصورة جديدة، وتعيد كل الحقوق التي سلبتها".