حضانة مصر... جدال حول تعديل قانون الأحوال الشخصيّة

حضانة مصر... جدال حول تعديل قانون الأحوال الشخصيّة

19 ديسمبر 2016
الصورة
لا للإجحاف في حقّ الأم (محمد عابد/ فرانس برس)
+ الخط -
تبدأ لجنة داخلية في ائتلاف دعم مصر، ممثل الأغلبية النيابية، نظر تعديل مشروع قانون الأحوال الشخصية، اليوم الاثنين، لإدخال تعديلات عليه، بهدف تهدئة الرأي العام، وإعادة تقديمه لاحقاً إلى البرلمان

تَواصل خلال الأيام الماضية في مصر، الجدال على المستويات الثلاثة القانوني والسياسي والحقوقي، حول مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية الذي تقدّمت به النائبة سهير الحادي إلى جانب ستين نائباً آخرين. لكنّ الحادي اضطرت إلى تأجيل عرض المشروع الذي يتعلق بقانون يهدف إلى نقل حضانة الطفل من المُطلّقة إلى الأب مباشرة حال زواجها، وسحبته من أمام اللجنة التشريعية بالبرلمان، بشكل رسمي، بعد الهجوم المجتمعي الواسع عليه.

وتشمل التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية الصادر بمرسوم رقم 25 لسنة 1929 والمضاف في القانون 100 لسنة 1985، والمقدّمة أمام البرلمان، المادة 20 منه. وينصّ التعديل على أن "ينتهي حقّ حضانة النساء ببلوغ الصغير أو الصغيرة سن الخامسة عشر، ويخيّر القاضي الصغير أو الصغيرة بعد بلوغ هذه السنّ في البقاء في يد الحاضنة دون أجر حضانة، وذلك حتى يصل الصغير سنّ الرشد وحتى تتزوج الصغيرة. ولكلّ من الأبوَين الحقّ في استضافة الصغير أو الصغيرة، وللأجداد مثل ذلك عند عدم وجود الأبوَين".

وفي حال تعذّر تنظيم الاستضافة اتفاقاً، "ينظمها القاضي، على أن تتمّ في مكان لا يضرّ بالصغير أو الصغيرة نفسيّاً. ولا ينفّذ حكم الاستضافة قهراً، لكن إذا امتنع من بيده الصغير عن تنفيذ الحكم بغير عذر، أنذره القاضي. فإن تكرر منه ذلك، جاز للقاضي بحكم واجب النفاذ نقل الحضانة مؤقتاً إلى من يليه من أصحاب الحقّ فيها لمدّة يقدّرها".

إلى ذلك "يسقط الحقّ في الاستضافة لغير الحاضن إذا تخلّف عن تنفيذ حكم الاستضافة، ويثبت الحقّ في الحضانة للأم ثم للمحارم من النساء مقدماً فيه من يدلي بالأم على من يدلي بالأب، ومعتبراً فيه الأقرب من الجهتين على الترتيب الآتي: الأم، فأم الأم وإن علت، فأم الأب، فالأخوات الشقيقات، فالأخوات لأم، فالأخوات لأب، فبنات الأخت الشقيقة، فبنات الأخت لأم، فالخالات بالترتيب المتقدم في الأخوات، فبنت الأخت لأب، فبنت الأخ بالترتيب المذكور، فالعمات بالترتيب المذكور، فخالات الأم بالترتيب المذكور، فخالات الأب بالترتيب المذكور، فعمات الأم بالترتيب المذكور، فعمات الأب بالترتيب المذكور". يُتابع النصّ المقترح: "فإذا لم توجد حاضنة من هؤلاء النساء، أو لم يكن منهنّ أهل للحضانة، أو انقضت مدّه حضانة النساء، انتقل الحقّ في الحضانة إلى العَصَبات من الرجال بحسب ترتيب الاستحقاق في الإرث، مع مراعاة تقديم الجدّ الصحيح على الإخوة. فإذا لم يوجد أحد من هؤلاء، انتقل الحقّ في الحضانة إلى محارم الصغير من الرجال غير العصبات على الترتيب الآتي: الجد لأم، الأخ لأم، ابن الأخ لأم، العم، الخال الشقيق، فالخال لأب، فالخال لأم. مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد، حيث يعاقب غير الحاضن بالحبس مدّة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد على سنة إذا امتنع عن تسليم الطفل لمن له الحقّ في الحضانة بعد انتهاء مدّة الاستضافة".

مخالفة للدستور
يأتي التعديل المقترح مخالفاً للدستور المصري الذي يحدّد عمر الطفل بمن لم يبلغ 18 عاماً. وهذا ما دفع عضو لجنة الإصلاح التشريعي التابعة لمجلس الوزراء، الدكتور صلاح فوزي، إلى القول في تصريحات صحافية إنّ تعديل قانون الأحوال الشخصية في حاجة إلى مزيد من التريّث، مشيراً إلى أنّه مليء بثغرات ومواد مجحفة في حقّ المرأة.

وطالب فوزي برفع سنّ الحضانة من 15 عاماً إلى 18 عاماً، بما يتوافق مع النصّ الوارد في المادة 80 من دستور 2014 والذي "يعدّ طفلاً كلّ من لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره، ولكلّ طفل الحقّ في اسم وأوراق ثبوتية، وتطعيم إجبارى مجاني، ورعاية صحية وأسرية أو بديلة، وتغذية أساسية، ومأوى آمن، وتربية دينية، وتنمية وجدانية ومعرفية". وقد حذّر فوزي من شبهة عدم الدستورية في حال الإبقاء على المادة بوضعها الحالي.

رفض حقوقي
في سياق الجدال القائم، أصدرت مؤسسة قضايا المرأة المصرية (مؤسسة حقوقية مصرية مستقلة) في الخامس من ديسمبر/ كانون الأول الجاري، بياناً أدانت فيه "مشروع قانون الحضانة والاستضافة الذي تتمّ مناقشته حالياً أمام مجلس النواب، والذي يقترح إسقاط حقّ الأم في الحضانة إذا تزوّجت مرة أخرى وتنتقل الحضانة للأب مباشرة". وهذا النصّ: "أن يتمّ سحب الحضانة من الأم حال زواجها وتنتقل إلى الأب بعد أن يلتزم بتوفير مَن يقوم على رعاية الابن سواء كانت زوجته أو أي امرأة من العائلة".

أضافت المؤسسة: "فعلى الرغم من أنّ قانون الحضانة الحالي جاء ظالماً للرجل بشكل كبير في ترتيب منزلته ضمن قائمة الحاضنين للطفل، إلا أنّ هذا المقترح جاء مجحفاً بحقوق النساء. فليس بمجرّد حصول المرأة على أحد حقوقها في الزواج والارتباط كما قام به الرجل، يكون معناه سلب حضانة أطفالها وإعطائهم لامرأة أخرى قد ترفضهم في قرارة نفسها لأنّهم فرضوا عليها بقوة الزوج والقانون". وقد رحّبت مؤسسة قضايا المرأة بالمقترح الخاص بإعادة ترتيب منزلة الأب في قائمة الحاضنين، على أن يكون ترتيبه الرابع بعد الأم وأم الأم وأم الأب.

وكشفت المؤسسة عن مقترح متكامل للأحوال الشخصية تحت شعار "نحو قانون أسرة أكثر عدالة لكل أفراد الأسرة". وهذه أبرز بنوده الخاصة بالطفل وعلاقته بالطرف غير الحاضن:
- ترتيب منزلة حضانة الأب لأبنائه لتصبح الرابعة بدلاً من المرتبة المتأخرة وفقاً للقانون الحالي (رقم 14 في القائمة).
- استبدال الرؤية بالاستضافة طبقاً لضوابط، حتى يكون تواصل جيّد بين الأب وأطفاله.
- مبدأ المسؤولية المشتركة هو الأساس بين الوالدَين حتى بعد الطلاق، لمصلحة الطفل الفضلى.
- أحقيّة الأجداد في رؤية الأطفال.

أما الناشطة النسوية في المؤسسة المصرية لتنمية الأسرة، نهاد نبيل، فعبّرت في تصريحات صحافية عن دهشتها من هذه التعديلات التي وصفتها بـ "المجحفة"، خصوصاً أنّها صدرت عن إحدى النائبات والتي من المفترض أن تكون "صوتاً للنساء غير المسموع أصواتهنّ".

من جهتها، رفضت رئيسة مجلس إدارة جمعية نهوض وتنمية المرأة، الدكتورة إيمان بيبرس، في تصريحات صحافية التعديلات الجديدة المرتبطة بحضانة الطفل، ووصفتها بـ"كارثة لأمهات مصر". ولفتت إلى أنّ قانون الأحوال الشخصية قديم يعود إلى عام 1929، وقد مرّ بمراحل طويلة من الإضافة والتعديل ليصبح مليئاً بالثغرات والعيوب، لأنّه من القوانين الاجتماعية التي تحتاج إلى فلسفة تقوم على وحدة واحدة وليست تعديل أجزاء متقطّعة.

وأوضحت بيبرس أنّ أحد أسباب رفضها لبعض التعديلات المقترحة هو عدم تلاؤمها مع أرض الواقع، إذ نصّت على انتقال حضانة الطفل من الأم في حال زواجها إلى الأب مباشرة، بدلاً من أن تذهب إلى الجدة من الأم. بالنسبة إليها، فإنّ هذا تعديل جائر تماماً، في ظل معرفة الجميع أنّ الأب لا يربّي أطفاله وهم في أسرة واحدة، فكيف يتحمّل مسؤولية الطفل بعد طلاق أمه وتصبح زوجة الأب هي المسؤولة عن تربية ابن زوجها؟

وشدّدت بيبرس على أنّ التعديلات تشمل مخالفات على أكثر من مستوى. أولاها الشقّ الديني، إذ لا يوجد لفظ الاستضافة في القرآن أو السنّة النبوية، أو تحديد مدّة 48 ساعة في الأسبوع. لكن يُستدل على الحقّ الشرعي للرؤية بالآية 233 من سورة البقرة: "لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ"، كذلك يدعم هذا الرأي قرار مجمع البحوث الإسلامية عبر جواز الاستضافة بشرط إذن الحاضن بذلك وأخذ رأي المحضون، ويكون ذلك بالتراضي بين الطرفَين.

بالنسبة إلى الشقّ الاجتماعي، قالت بيبرس إنّه "من خلال البحث الميداني الذي أعدّته الجمعية على مئات الحالات الاجتماعية في ما يخص قوانين الأحوال الشخصية، وجدنا أنّ الآباء يقومون باستغلال قانون الرؤية لمجرّد العناد مع الأم ولإغراقها في القضايا والمشاكل، تاركين مصلحة الطفل، مع أنّهم لا يلتزمون بالرؤية، مستغلين الثغرة في القانون الحالي بعدم وجود جزاء للأب الذي يتخلف عن الرؤية. والأكثر، يستغلونها في التخطيط للخطف وتهريب الأطفال إلى الخارج، ولهذا يظهر تخوّف الأمهات من الرؤية والاستضافة من خطف الطفل مثلاً وعدم رجوعه إلى الحاضن". ولأنّ ثمّة آلاف الحالات التي تعرضت لذلك، "لا بدّ من وضع شروط وضوابط تضمن حقّ الطفل وتبعدنا عن المشاكل".

وكانت رئيسة المجلس القومي للمرأة، الدكتورة مايا مرسي، قد رفضت كذلك مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية، وقالت في تصريحات صحافية إنّ القانون مرفوض وغير مدروس تماماً. فهو بالنسبة إليها لم يعرض لأيّ حوار مجتمعي على المنظمات النسائية والمجلس القومي للمرأة، في حين أنّ أيّ قوانين خاصة بالأسرة والطفل والمرأة لا بدّ من أن تعرض لحوار مجتمعي.

مبررات التعديل
في المقابل، تدافع سهير الحادي عن مشروع القانون الذي تقدّمت به. وفي بيان صحافي أصدرته، أوضحت أنّ المادة 20 من قانون الرؤية تمنح "الرؤية" فقط للطرف غير الحاضن دون الجدود أو الأقرباء الأقربين، الأمر الذي يؤدّي إلى قطع الأرحام نهائياً بين المحضون وعائلته للطرف غير الحاضن، وهو ما يشعر الطفل باليُتم. كذلك تقتصر العلاقة في القانون القائم بين أبناء الطلاق والطرف غير الحاضن سواء الأم أو الأب على ثلاث ساعات أسبوعياً، وفي المكان نفسه أبد الدهر، ليكون بذلك الطرف الحاضن ملازماً للطفل لمدّة 15 عاماً في مقابل 90 يوماً فقط للطرف غير الحاضن، إذا التزم الطرف الحاضن بإحضار الطفل لفترة ثلاث ساعات أسبوعياً. وأشارت الحادي إلى أنّها رأت وجوب استبدال كلمة "الرؤية" المنصوص عليها بالمادة 20 في القانون القائم، بكلمة "الاستضافة" في التعديل الذي تقدّمت به، لتكون الرؤية يوماً أو يومَين أسبوعياً ونصف الإجازة في الأعياد وأسبوعاً في إجازة نصف العام، وشهراً في إجازة نهاية العام لتتحقق المودّة.

وعن أهم الشروط التي يجب توفّرها في الطرف غير الحاضن ليتمتع بحقّ "الاستضافة"، شرحت الحادي أنّه من الضروري أن يسدّد ما عليه من نفقات في حال كان "الأب" هنا غير الحاضن وملتزم تجاه "طفله أو أطفاله" وحسن تعامله معهم. أضافت أنّه في "حال توفّر هذا الشرط ولم يلتزم الطرف غير الحاضن بالاستضافة، تسقط عنه".

وعن تخوّف البعض من إمكانية استغلال الطرف غير الحاضن لحقّ الاستضافة، وبالتالي التمكّن من الهروب بالأطفال إلى خارج البلاد، أجابت الحادي أنّ "اللي عايز يخطف هيخطف. مش محتاج قانون". ومن المتوقّع أن تضيف بنداً إلى مشروع تعديل المادة 20 من قانون الرؤية وهو "كلّ حكم حضانة يصدر من المحكمة يتمّ إرساله لإدارة الجوازات والهجرة حتى لا يتمكن الطرف غير الحاضن من السفر بأطفاله من غير موافقة الطرف الآخر".

وقد أعلن النائب محمد مصطفى السلاب دعمه مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية، لأنّه "يضمن سلامة الأطفال النفسية".

المساهمون