حسين الواد.. "الغِربان" بعد سنتين من رحيل صاحبها

02 يونيو 2020
الصورة
(حسين الواد)

اشتهر حسين الواد (9481 - 2018)، الذي تمرّ اليوم ذكرى رحيله، أكاديميًا وناقدًا، طيلة مسيرته المعرفية. لكنه توّجها، في عقدها الأخير، بثلاثية من فنّ الرواية. وآخرها نصُّ "الغِربان"، وهي مَأدُبة من ألوان التعبير تشكَّلَت، وحديثٌ غريبٌ عن أيام ثورة الرابع عشر من يناير في تونس، كما عيشت في بلدةٍ ساحليةٍ، لم يُذكر اسمُها إمعانًا في معابثة القارئ وخَلْط أوراقه. ثم صارت هذه الثورة "المَحنونة" ذريعةً للغَوص في أغوار شخصية "سي حميدة"، عودًا إلى أيام طفولته، فإقامتِه بباريس، ثم انحسارُهُ منها مَطرودًا واستقراره ببَلدَته ليتزوّج فيها شكليًّا، وأخيرًا تحوُّلُه من فكر اليسار إلى إسلامويَّة العامّة، حتى فَقَدَ العقلَ وانتهى في مستشفًى للأمراض العقليّة.

قبل ذلك، كان يرصد أحداثَ الثورة بعُيون الأهالي البسطاء بَعد أن عجزت عيونُه عن النظر والتحليل والتأويل. ينقل ما يصوغه حلاقُهم الثرثار وقصّابهم البسيط وبائع العجلات المطاطية، وروّاد المقاهي، وحتى النساء الأمّيات في منازلهنّ، فضلًا عمّن صمد من المثقّفين مثل "السسلوج". وهكذا، تتراءى تدريجيًّا أجزاء لوحة الثورة وتتراكبُ فيما بينها، بأسبابها ونتائجها المباشِرة، بَعد تولّي هيْئات الحُكم الانتقالية، يتنازعها مَن يَحنُّ إلى المَاضي وامتيازاته، ومن يَتطلع إلى مستقبل وليدٍ، صوّر الراوي آفاقه القاتمة، بعيدًا عن تحليلات أشباه الخُبراء والملاحظين. فهي ثورةُ، بل فورةُ، أحياءَ شعبيّةٍ، في مدينة غُفْلٍ، عاشها أبناء حاراتها فعبّروا عما خالجهم بعد أن انفرَطَ عَقد هيئتهم.

تشكّلت فرادةُ هذا التصوير من إيغال الكاتب حفرًا في رواسب اللغة وطبقاتها وعتباتها. استمدَّ آلاف الصور والعبارات من سجلّاتها المتداخلة ليشيدَ هذا الكون الرمزي المتخيَّل، حيثُ ينقلكَ كلُّ سجلّ وخطاب، بل كل عبارةٍ وإيماءة، من حيّ إلى حيٍّ، ومن حانوت إلى آخر، ومن نموذج اجتماعي-نفسيٍّ لآخر، يتعقّب عبرها حسين الواد سجلّات الكلام ويختار منها ما يليق بكل شخصٍ من تلك الشخوص التي يحرّكها، فيَصرفنا من تعبيرات "المتديّنين" الذين تسرّبوا إلى الساحة قبيْل الثورة، ثم اكتسحوها بعدها، ومن تحليقات العلمانيّين اللائكيّين الذين يتعلّقون بالتاريخ المادي أمامهم.

وأمّا عماد البناء السردي فاختياراتٌ من المعجم، أصنافٌ كريمة جادت بها ذاكرة الواد، غذاءً وفيرًا مُنَوَّعًا، هيّأه من مائدة فصيح اللسان واقتَطَعه ممّا علَق بذهنه من معاشرته نصوصَ المتنبي وبشَّار الجَزلة، ثم أضاف إليها لطائِفَ من الدارجة التونسية، وما يُعرف فيها بـ "الكلام الأخضر"، ذي الإيحاءات الجسدية، بل واستقى، "ببقية حياء شرقي"، بعض ما ينتمي إلى السجلّ السوقي، إيهامًا بواقعية الكلام وصدقية إحالته على الأحداث وتطابقه مع صانعيها والقائلين فيها. ومن ذلك جُملٌ عريضاتٌ، من إبداع المخيال الشعبي، الذي يستعيد من تَجاربها الألفيّة ما به يسمّي هذه "الهيعة". وختم ذلك بالمقتَرَض من اللسان الفرنسي، المستخدم وراءَ الضفّة، الذي عاناه على أرضه ثمّ بمنأًى منه.

تهدف هذه المحاكاة العاكسة لأصناف الخطاب واللهجات والإيحاءات والإنجازات، فرديّها وجَمعيِّها، لكلام أهالي البلدة إلى إيهامِنا بصدق النقل وحقيقة الرواية. وما هذا إلا فخٌّ للقارئ مَنصوبٌ، فَليس ثمّة إلا التخييل والافتراء الواعي، إذ الوقائع الفنيّة غير صادقة، ولكنها في الناس أبلغ تأثيرًا من الوقائع الصَّادقة. وثمّة تلاعب بالمستوَيَين حتى لا نكاد نُميّز فيهما بين الخيط الأبيض والأسود. لا شك أن مادّة هذه الوقائع الفتية جُبِلت من الكلمات التي تلقّفتها آليات السرد والتلاعب الزمني، ومزج مستويات الحكي وتعديد الأصوات المتكلّمة، ولكنَّ قيمة هذه التقنيات تألّقت من عبقرية المعجم الذي ارتضاه الواد وحاكَه، فكان ثريًّا كثيفًا، بل فيه تضخّمٌ يليق بكثافة لحظة التحوُّل من هيمنة النظام البائد إلى انفتاح الثورة على احتمالات تقويضها. هذا الخطر الدائم نقلته ثَخانةٌ من المفردات، وسرعة التحوُّل من مستوًى فيها إلى آخَر.

"الغربان" هي المرحلة الثالثة من سلسلة سبَقها جُزْءا "روائح المدينة"، وهما كالتمهيد لهذا التأريخ الروائي للثورة. ذاك الذي حاكه، من خلف الستائر، "المؤرّخ الحزين"، ولا نخاله إلا كناية مفضوحة عن حسين الواد نفسه، وهو يعلم أننا نراه فيها، فيمعن في تَواريه، ولكنه يتدخّل في تسريع الأحداث، يجري بها وبنا حتى جُنَّ صاحبه، ونَحن راح منا الصّواب. يقدّم نص "الغربان" الثورةَ في مفارقاتها وهواجسها وأخطائها، ومن وراء ذلك يصف "ثورة" الضاد وآليات سردها، بعيدًا عن تَحليلات المتعالِمين وتقليد الضعفاء من روائيّينا.


بطاقة
وُلد الكاتب التونسي حسين الواد في مدينة المكنين عام 1948، وحصل على دكتوراه في الآداب العربية من جامعة تونس عام 1987. من إصداراته النقدية: "البنية القصصية في رسالة الغفران" (1972)، و"في تأريخ الأدب" (و1979)، و"المتنبّي والتجربة الجمالية عند العرب" (1987)، وصدر له في الرواية: "روائح المدينة" (2010)، و"سعادته السيد الوزير" (2011)، و"الغربان" (2018).

تعليق: