حزب الله اليوم ثورة مضادة

05 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
توَّج حزب الله نفسه بمزيد من أكاليل الغار في معركته ضد الشعب السوري. تمكّن مع بشار الأسد من إجهاض ثورته، بالقمع المباشر، من دون وجَل ولا خَجل، فطالما أنه حضر بناء على "طلب رسمي" من رئيس سورية، لم يكن هناك ما يردعه عن استخدام كل طرُق القتل والنهب والتطهير المذهبي، وطالما أنه يرتكب كل هذه الجرائم "من أجل فلسطين"، أو "القدس"، كان يريح ضمائر مناصريه وعشاقه، من مشقّة ضعفها أمام إثم دمويته السافرة، فصار بذلك "قوة إقليمية" نجيبة، ترفع رايات الولي الفقيه، القوي بدوره، قوة صواريخه وحرسه "الثوري" وبرنامجه النووي، فطنْطنت ساحات "المقاومة" بهذا الانتصار الجديد، المُضاف إلى انتصارات سابقة، ضعنا في غزارة تواريخها. وضربَ الحزب على صدره مزهوّاً بشدّته، وذهبَ نحو المزيد من: "الأمر لي"، فكان الكِباش داخل السلطة، بين حلفاء للحزب، يمعنون في الاستقواء به، هو القائد الذي لا يخيب، وخصوم يفزعون وينحنون، وفي رأسهم الصفقات المقبلة وحساباتهم المصرفية. أما اللبنانيون، فمن يكترث؟ ها هم خاشعون، صاغرون، محبوسون في أقفاص طوائفهم.
ثم اندلعت الثورة اللبنانية، فكانت أولى محاولات حزب الله لإحباطها. بدأت بخطابٍ لأمينه العام، يستهزئ بالتظاهرات والمتظاهرين، ويحطّ من قدرتهم على الصمود، يتذاكى عليهم، ويتهمهم 
بالتآمر مع الخارج، يطلب من محازبيه الخروج من الساحات.. بلهجة المتأكد من أن كلماته، مجرّد كلماته، سوف تعيد الثائرين إلى البيت. لم تنفع هالة الرجل المقدّسة، وهيبة صواريخه. بل تصاعدت التظاهرات؛ فكانت "الغزوات" التشبيحية بالقمصان السود والعصي والحجارة والسُباب والضرب والحرق والسرقة.. إحدى عشرة "غزوة"، موزّعة بين العاصمة وبلدات خاضعة لسيطرة الحزب، أو سيطرة حليفته الغرّاء، حركة أمل، التي سبقته في فنون التشبيح بسنوات. هذه المحاولات أيضا لم توفّق، بل استنفر من بعدها كثيرون ممن حايَدوا الثورة، فنزلوا إلى الساحات.
وكانت المرحلة الثالثة من الثورة المضادة، وطليعتها: هجوم على متظاهري جسر الرينغ، الواقع على خط تماس حربي سابق، وهم صارخون "شيعة شيعة"، ما أعطاهم العزيمة لاقتحام حيّ السهر القديم، شارع مونو، وتكسير السيارات وكتابة الشعارات الاستفزازية وسرقة المشروبات الروحية من حاناته.. ولكن عندما أدلى مسؤول أميركي متقاعد، معروف في لبنان، برأيه في الثورة، وبالحزب، وعندما تمكّن الحزب من اختراع شهيدَين له، بعد مقتل مواطنَين في حادث سيارة اصطدمت بعامود حديد على مقربةٍ من معتصمين وقاطعي الطريق بين بيروت والجنوب... وجدَ الحزب ضالتَين، فأطلق حملته الثالثة: جمعَ أبناء "بيئته" في إحدى ساحات الضاحية الجنوبية، ومرّر كلمة السرّ: غضب على "تدخلات الخارج" وتفجّع على الشهيدين. وبشعار طغى على الجميع: "الشعب يريد 7 أيار جديداً". (شعار ينطوي على "كود" لبناني صريح، إذ يحيل إلى أحداث جرت في 7 مايو/ أيار من العام 2008، حين هجمت جحافل المسلحين من حركة أمل وحزب الله على بيروت بالرصاص والصواريخ، احتجاجا على قرار حكومي سيادي. وقتها، حسن نصر الله وصف هذه الهجمة بـ"المجيدة"، سقطَ فيها أكثر من ثمانين شخصاً من الآمنين، وهُجِّر العشرات وأحرق مبنى تلفزيون "المستقبل"... وحتى الآن، لم يتم التحقيق في ظروف ما خلّفه الحليفان من خراب). هذه أيضاً وأيضاً لم تنفع. فارتفعت أعداد المتظاهرين والمعتصمين هنا وهناك في النقاط الحيوية. هنا، أُلهم حزب الله بفكرة أذكى: "قوافل" درّاجات نارية، تحمل أعلام "أمل" وحزب الله، تجول في أحياء العاصمة، المختلطة وغير المختلطة، تطلق صرخة واحدة: "شيعة شيعة"، وتنشر الذعر بين السكان، فقافلة أخرى تنقضّ على خيمة مدينة صور، الشيعية بغالبيتها، وبالصرخة نفسها "شيعة شيعة"، فهجوم على ساحة المطران في بعلبك، ذات الغالبية الشيعية، بدرّاجات ومن دونها، وقبلها إطلاق رصاصٍ على معتصمين في خيمة كفررمان الجنوبية.. وجديد فصول هذه النزهات بالدرّاجات النارية كانت النقطة الأكثر رمزية: الشياح - عين الرمانة، اللذين فرّقتهما خطوط التماس طوال سنوات الحرب الأهلية. وبالسيناريو نفسه مع رمي حجارة وقنابل مولوتوف على الحي المسيحي المقابل. وقد ووجِهت هذه "الفعالية" بالذات بردّة فعلٍ عنيفة جدا، تمثلت في لقاءات محبّة بين نساء الحيّين، لحقتها لقاءات مماثلة، كان كل سلاحها الورود البيضاء والنشيد الوطني.
الآن، الحليف المسيحي للحزب القائد، أي التيار العوني، يقلّده، وإن بشبّيحةٍ أقل خشونة، يطلقون التظاهرات المضادّة أيضاً: واحدة سيّارة إلى الجبل حيث منزل أمين الجميل، رئيس سابق 
للجمهورية، "المسؤول عن الأزمة"؛ وقد نسي العونيون أنه بفضل الجميل صار ميشال عون هو ميشال عون. ثم تظاهرة راجلة، لمنع متظاهرين آخرين من بلوغ "قصر" ميشال عون؛ وبعضهم كرّر الغضب نفسه على تناول المتظاهرين رئيس الجمهورية وصهره المفدّى، بالعبارات نفسها التي استنكر بها شبيحة "أمل" وحزب الله تناول زعمائهم المعصومين (بل تجاوزت هذه العبارات، لتضع عون على يمين الله، وجبران باسيل على يساره). وأخيراً، اعتصام عوني على أبواب المفوضية الأوروبية، يكرّر المشتركون فيه تبرّؤهم من العنصرية، ويحيلون كل "الأزمة" إلى "وجود مليوني سوري في لبنان، يستنزفون اقتصادنا"؛ ويضيف بعضهم إلى السوريين "اللاجئين الفلسطينيين"... تقابلهم تظاهرة مضادّة، تقول العكس، وبعبارات نديّة ومتنوعة.
ولكن حزب الله تجاوز هذه الحركات بسرعة، لأنها أساءت إلى صورته، وهو حتى هذه اللحظة يتبنى "تكتيك" الاختراق من الداخل، فعزّز نفير المتظاهرين ضد المصرف المركزي، في محاولةٍ لتحميله كل الذنوب؛ وأطلق مناصروه من هناك كلمات التأييد لـ"المقاومة"، وسيدها. واخترقوا أيضاً اعتصاماً نُظِّم على أبواب وزارة الخارجية، "ضد التدخّل الخارجي"؛ فكانت كلمات المشتركين فيه على درجاتٍ لا تصدَّق من العشوائية: ضد تدخل "أميركي.. روسي.. أوروبي.. إيراني.."؛ يطغى عليها "فيلتمان والتدخل الخارجي".
واضحٌ حتى الآن أن حزب الله لم يفلح في ثورته المضادة، كما أفلح في سورية، فالردود السريعة على محاولاته كانت تعبّر عن وعي جديد. النساء والرجال خرجوا ليقولوا له إن "لا عسْكرة" لثورتنا، كما عسكرتم، أو عسكر حليفكم الثورة السورية. لا عسْكرة، أي لا عودة إلى الحرب الأهلية. ولا "تطييف" لثورتنا. فمن صرخ عليه شبيحة الحزب "شيعة شيعة"، كان يردّ "سلمية سلمية"، "إسلام ومسيحية". ومقابل الاتهامات بالتعامل مع الخارج، كان الثوار يردّون بالاستشهاد بكلمة المرشد الأعلى الإيراني، وبأعمال القتل الوحشي التي يمارسها الحرس الثوري الإيراني ضد شباب الانتفاضة العراقية ومراهقيها.
واضحٌ بالتالي أن مخيّلة حزب الله فقيرة هذه الأيام. كل "القوة"، كل الانتصارات، كل المناورات، كل التسريبات، كل التلاعب بالعقول، كل المورفين الاستشهادي.. كله لم يُجدِ. ربما سوف يفتح الحزب كوّة جديدة، فاشلة أيضاً، بعد حين. وقد تكون أعنف، أو أخبث من سابقاتها. ولكن الثورة سوف تفشلها، ليس لأنها منظّمة أو غنية أو "مدعومة"؛ إنما لأنها أصبحت واعيةً للعطب الأساسي في كياننا، أي الطائفية، ولأنها واعيةٌ لعبث السلاح والحرب الأهلية. وهي تطور هذا الوعي، كلما مرّ يوم على لحظة ولادتها الأولى. قد لا يكفي هذا الوعي لتفسير فشل حزب الله في ثورته المضادة هذه. قد تكون هناك أسباب أخرى، تحتاج إلى مزيد من التمحيص. ولكننا أيضاً نقف هنا أمام حدودٍ قصوى، وحدها تنقذ الحزب أو تصيبه بضربةٍ قاضيةٍ أو تتركه معلقاً في الهواء، ومعه الشعب اللبناني: الحدّ الأول اشتعال الجنوب اللبناني بحربٍ مع إسرائيل، والثاني انهيار النظام الإيراني، أو تعويمه بشروط أميركية صارمة، والحدّ الثالث هو الانتظار.
لكن المهم الآن أن حزب الله لا يبدو في كامل لياقته التخيّلية هذه الأيام، كأن الإلهام غادره. ربما لأنه منكبٌّ اليوم على ترميم علاقته مع شركائه وحلفائه في نهب الوطن. وهو، مثلهم، بعيدٌ 
سنواتٍ ضوئيةً عن الثورة وحقوق الشعب الثائر، إذ يبدو لهم أن هذا النوع من الصراع، بين أهل السلطة، بين أهل البيت الواحد، وجودي؛ أكثر وجوديةً من أية التفاتة، أو استماع، أو اهتمام بما يجول في وجدان هذا الشعب. هو صراعٌ بينهم على كيفية الخروج من ارتجافات أصابتهم بها سهام الثورة. وحزب الله، بصفته الأقوى بين كل هذه الأطراف، لا يستطيع غير أن يكون صاحب الاستعصاء الأول: فهو إذا شكّل حكومة ذات لون واحد، أي تتكوّن من أزلامه الخالصين، نام على كابوس مالي ودولي. وإذا قبِل بحكومة برئاسة خصمه الرئيسي، سعد الحريري، وبشروطه، فلن يكون "منتصراً"، كما هو على طول الخط. ماذا يفعل إذاً؟ ينتظر ما ينتظره مرشده الأعلى، حتى تنقشع سماء الكوكب على رئيس أميركي جديد؟ أو تفرز التسويات بين إيران وأميركا بنوداً جديدة، قد تكون لصالح إبقاء سلاح الحزب، وقد لا تكون؟
وقد شبّه الصحافي منير الربيع هذه الوضعية "بأفعى على ظهر نسر. تخشى الأفعى "لسع" النسر فتقع، ويخشى النسر لسعة الأفعى فيموت، ولذلك يبدو الاثنان بحاجةٍ إلى بعضهما بعضا، ويتعانقان". سياسة الانتظار إذاً على حدّ السكّين، هي التي تتملك عقل الحزب وخصومه من أهل الدار. وفي هذه الحالة، ومهما بلغت "عبقرية" أصحاب هذا العقل، ومهما كانت مؤهلاتهم الميدانية بانتصاراتها، فلن يفلحوا في ثورتهم المضادة، إلا بتحطيم الهيكل فوق رؤوسنا نحن..