حرب أعلام في إسبانيا: شرفات تروي الحكاية

حرب أعلام في إسبانيا: شرفات تروي الحكاية

غرناطة
ناصر السهلي
13 أكتوبر 2017
+ الخط -
تتفاوت نظرة الإسبان إلى مسألة انفصال كتالونيا. في معظم أنحاء البلاد، في البيوت الريفية، يرتفع العلم الإسباني بكثرة على الشرفات وأسطح المنازل، في الآونة الأخيرة. من غرناطة وجبال الأندلس تبدو خريطة الطرق ملتوية ومعقدة، بين جبال يخشى السائق "ميغيل" تساقط صخورها. لكن من يسير على هذه الطرقات يتولد لديه انطباع، من خلال مشهد الأعلام المنتشرة حتى في البيوت النائية، أن المواطنين يخشون من الانقسام، ويرغبون في بقاء وحدة المملكة.

يبدو انفصال كتالونيا بالنسبة لثلاثيني كميغيل "عبثياً" ومدمراً لوحدة الشعب الإسباني. تشاركه في هذه القناعة شريحة واسعة من الإسبان. لذلك، وفيما التحدي والكباش يبلغان أوجهما بين مدريد وبرشلونة، تتخذ المبارزة منحى آخر في الشارع، منذ الاستفتاء على استقلال كتالونيا، الذي تم تنظيمه في مطلع أكتوبر/تشرين الأول الحالي. مبارزة سمتها الأساسية اليوم تتمثل في حرب أعلام تلوح في الأفق بين من يرفع العلم الإسباني ومن يعلّق علم كتالونيا.

في السابق كانت الأعلام الإسبانية ترفرف مع مرور فريق إسبانيا الوطني إلى مباريات حاسمة. أما اليوم، ومع تنامي مطلب الاستقلال في الإقليم الكتالوني، وتزايد رفع علمه، يبدو الإسبان أكثر إصراراً على التمسك بعلم الوحدة الإسباني. من حدود الإقليم الكتالوني جنوباً يغيب علم إسبانيا. وفي برشلونة عاصمة الحراك القومي الاستقلالي، يندر أن يرى المرء علم البلاد، فبدلاً منه ينتشر علماً الإقليم والاستقلال أكثر.

يراهن ساسة وأحزاب الوحدة على من يطلقون عليهم "الأغلبية الصامتة". في الشارع البعيد قليلاً عن عاصمتي الكباش السياسي والقومي، ثمة مدن وأقاليم وأرياف إسبانية بات أهلها يعبرون عن رأيهم بغير وسيلة التظاهر. فبالنسبة لكارلوس وزوجته إيزابيلا من غرناطة، فإن "علم إسبانيا يرمز إلى رغبتنا في البقاء متحدين أقوياء داخل مملكة متحدة". ويقول كارلوس لـ"العربي الجديد" وهو يمشي مع زوجته التي ترتدي اللباس الإسباني التقليدي في الوقت الذي كانت تجري فيه تظاهرات في مدريد وبرشلونة، إن "تمسك الناس بعلم الوحدة يعني أنهم مع الوحدة". وتقول إيزابيلا "نحن نرفع علمنا الوطني على الشرفة لأننا نريد أن نؤكد بأننا لسنا مع استفتاء يقسم بلدنا ويجعلنا نخسر أكثر من قوّتنا". وتضيف "لدي أصدقاء في كتالونيا مع بقاء الإقليم كجزء من إسبانيا، بيد أن الهوس القومي بات يمنعهم خوفاً من أن يتهموا بالخيانة، فهم لا يتجرؤون على رفع العلم الوطني، وكأننا أمام حرب أعلام هذه الأيام"، بحسب تعبيرها.


"فورة أعلام" في إسبانيا 


في فيونخيرولا قرب مدينة ملقا جنوب إسبانيا، يخرج المشهد عن المألوف. ويثير انتشار علم إسبانيا بكثافة انتباه المراقب للمشهد في المدينة الساحلية. وفي عطلة نهاية الأسبوع، يبدو مشهد الاحتفالات والسهر في فيونخيرولا، سياسياً أكثر منه ثقافياً. فالموسيقى التقليدية الإسبانية التي تصدح في الشوارع، وفرقة المدينة الموسيقية التي تعزف الأناشيد وتحمل أيقوناتها، تعكس هذه الأيام أجواءً غير عادية، وكأن الفنانين والموسيقيين والناس يريدون توجيه رسالة مفادها أن هذا الجزء من الأندلس له رأيه في ما يجري. رأيٌ مدافع عن وحدة البلاد.


تسأل أحد المارة قرب عازف قيثارة في إحدى الساحات العامة، عما يجري من نقاش بشأن استقلال كتالونيا. جوابه يعبّر عن وجود احتقان غير طبيعي. فالمدرس مانويل فيخو يقول لـ"العربي الجديد" بلغة غاضبة: "لن يحدث مهما فعلوا، وستبقى إسبانيا موحدة، انظر إلى الناس كيف يحتفون بعطلتهم بالتأكيد على الهوية الإسبانية". في هذه المنطقة الإسبانية، لا يمكن رؤية "أغلبية صامتة". نزهة قصيرة في الشوارع تكفي لتلمس كيف أن المشاعر القومية باتت تتدلى تعبيراتها من على الشرفات وأسطح المنازل وواجهات المحلات. غابةُ من الأعلام الإسبانية يقول عنها ماونويل: "لم تر المدينة مثل هذا الانتشار للعلم كما هو حاصل هذه الأيام، وهذا يعني أن الاستفتاء يجب أن يشمل كل الناس بمن فيهم الأندلسيون ليقولوا كلمتهم في قضية وحدة إسبانيا". بالفعل، إنّ التجول في مناطق كثيرة من هذا الريف الأندلسي يظهر كم أن المشاعر القومية في أوجها هذه الأيام.

في هذا الجزء من إسبانيا، لا يرفرف العلم فقط على ظهر جواد لمواطن برفقة وحدة الشرطة المحلية التي تنظم دوريات معتادة في الشوارع، بل يتدلى العلم على الشرفات أيضاً. وإن صودف وقوف نساء على إحدى الشرفات، وأراد المراقب التقاط صورة لهن مع العلم، تسرعن على الإشارة باليد إلى هذا العلم، وكأنهن في صدد توجيه رسالة سياسية من خلال هذه الحركة أثناء تصويرهن.

يتجول بجواده حاملاً العلم الإسباني في فيونخيرولا


وحين تتقاطر العائلات إلى الساحات، تختلط الأعلام مع مشهد ارتداء الثوب الإسباني التقليدي، من قبل الصغار والكبار. تصدح الموسيقى الأندلسية هنا وهناك. يتبادل الناس التحية. وكلما مر العلم مرفوعاً صفقوا له بشكل لافت. لا يتردد هؤلاء أبداً في التعبير عن موقفهم من الجدل الدائر. بعضهم يعبر عن غضبه من حكومة مدريد المركزية، لأسباب عدة. منهم من يرى بأنها متراخية، ومنهم من يطالبها بوضوح للدخول في "مفاوضات مع قادة إقليم كتالونيا".

بات العلم وسيلة لإيصال رسالة ضد تفتيت إسبانيا. وعن ظاهرة رفع العلم بكثافة، يقول الأستاذ الجامعي من برشلونة، خوسيه سينا، إن "هذا تعبير واضح عن أن إسبانيا لا يمكن أن تقسم. لا يمكنك أن تجري استفتاء يشارك فيه بحسب ما يقولون أقل من 50 في المائة (42 في المائة) ثم تخرج لتعلن أن 90 في المائة مع الانفصال وتذهب لإعلان الاستقلال. تلك كارثة حقيقية لنا، لكتالونيا ولإسبانيا عموماً". وسينا، المتخصص في التاريخ، يضيف أن التعبير عن موقف برفع العلم "هو أفضل تعبير يقوم به شعب يخاف على وحدة بلده ومصير أجياله". ويلفت إلى أن "تفكك إسبانيا ليس جيداً لكل شعبها، نحن لسنا عصبة في نادٍ، وإسبانيا ليست الاتحاد الأوروبي الذي يمكن للدول الانضمام لناديه أو الخروج منه، فإسبانيا توحدت تحت علمها عبر عملية تاريخية وهي نتيجة لمخاض كبير لا يجب تدميره تحت ضغط القوميين في كتالونيا"، بحسب تأكيده. ويخلص إلى أن "مسألة العلم تحتل بالتالي أهمية كبرى عند الشارع الإسباني المؤيد لبقاء إسبانيا كما كانت، وإلا سنصاب بانهيارات كما انهار الحكم العربي في الأندلس"، وفق تعبيره.

وفيما تذهب الحركة القومية في كتالونيا للمطالبة بمفاوضات "خروج من المملكة الإسبانية"، فإن كثيرين ممن التقتهم "العربي الجديد" من الإسبان العاديين يرون بأنه "لو كانت التظاهرات والاستفتاءات دليل على الرغبات فيمكن لكل إسبانيا أن تحمل علمها وتؤكد على أن الأقلية القومية عليها الخضوع للأغلبية"، كما تختم إيمانويلا، سيدة تتجاوز السبعين من عمرها، مرتديةً الزي التقليدي، وتقف إلى جانب سيدة مغربية. وما تخشاه إيمانويلا أن "جرحاً كبيراً قد حدث في جسد إسبانيا، بغض النظر عما ستؤول إليه النتيجة، فهذه أكبر فوضى سياسية تعيشها إسبانيا منذ سقوط الدكتاتورية عام 1975".

والمشهد المثير أيضاً في هذا الجدل، يتمثل في عودة شعارات "الغرافيتي" على جدران مدن وقرى في إسبانيا، والتي تمجد البلد الموحد. وبعضها يتوعد بشكل لافت "الانفصاليين" بما يطلقون عليه "الدفاع الشعبي". وأياً تكون نتيجة الجدل والكباش، فإن العلم الإسباني بات يرسم الحدود بين المؤيد والمعارض للانفصال عن المملكة الإسبانية هذه الأيام.

ذات صلة

الصورة
خلال إحدى الحفلات (العربي الجديد)

مجتمع

حتى وإن كانت في كندا، لم تتخل اللبنانية لمياء يارد عن الموسيقى المشرقية، هي التي تغني الموشحات الأندلسية والأغاني الصوفية التركية والفارسية، وتسعى إلى تأسيس مشروع موسيقي مشرقي معاصر
الصورة

سياسة

أدى قمع القوات الأمنية للمتظاهرين المحتجّين على الانقلاب في ميانمار إلى سقوط أول قتيل في صفوف الحركة الاحتجاجية، مع إعلان وفاة شابة أصيبت بالرصاص، الأسبوع الماضي، فيما تصاعدت الضغوط الدولية على المجموعة العسكرية.
الصورة
"الكعك المسفيوي" تاريخ عريق ومورد رزق للنساء المغربيات

منوعات وميديا

يُعَدّ الكعك المسفيوي، من أبرز الحلويات الشعبية التي عرفتها مدينة "آسفي" المغربية، حتى صار علامة مسجلة لها. وقد توارثت صناعته أجيال منذ القرن السابع عشر حين طُرد الموريسكيون من الأندلس.
الصورة
انفجار في مدريد-تويتر

سياسة

قُتل اثنان على الأقل، اليوم الأربعاء، جراء الانفجار العنيف الذي ضرب مبنى وسط العاصمة الإسبانية مدريد.

المساهمون