جولة تاريخية في حيّ محطة الكرمل العربي العريق في حيفا

حيفا
ناهد درباس
14 أكتوبر 2017
نظم نادي حيفا الثقافي جولة إرشادية برفقة الدكتور والمؤرخ جوني منصور، في حي محطة الكرمل القديم في المنطقة السفلى من مدينة حيفا، والواقع بين سكة الـقطار والميناء العسكري في القسم السفلي في غرب مدينة حيفا.

انطلقت الجولة من كنيسة الملاك جبرائيل في حي محطة الكرمل بمشاركة العشرات من حيفا والجليل، وهدفت إلى التعرف على التاريخ والحياة التي كانت في الماضي، في حي محطة الكرمل أو كما يسمى أيضا حي حيفا العتيقة.

يسكن اليوم في الحي 26 عائلة عربية فلسطينية، وكان يسكنه قرابة 600 عائلة عربية فلسطينية قبل تهجيرهم في عام النكبة بالكامل تقريبا. وسكن اليهود الشرقيون الحي بعد النكبة، وتركوه في الستينيات وعادت بعض العائلات العربية للسكن فيه. ويعاني الحي اليوم من إهمال وإقصاء من بلدية حيفا.

شملت الجولة ثلاث مناطق في الحي هي منطقة كنيسة جبرائيل والذي بناها فؤاد جبرائيل سعد من حيفا، وسميت الكنيسة على اسم والده، ثم منطقة المقام عيسى، ومنطقة المقابر.

سميّ الحي باسم حيفا العتيقة، بسبب وجود آثار فيه ترجع إلى الفترة الرومانية، منها مجمع القبور وأطلق عليه مقام الشيخ عيسى. وبعد أن حكم الظاهر عمر الزيداني الجليل وحيفا عام 1761، أمر الزيداني بهدم الحيّ كونه كان يتعرض لسطو قراصنة مالطا، وهم بقية من الصليبيين الفرنجة الذين تحولوا إلى لصوص في عرض البحر. وكان السكان يشكون دائما إلى الحكام من تلك الظاهرة، التي لم يستطع العثمانيون الحد منها والسيطرة عليها.

وعند أخذ القرار بهدم حيّ حيفا العتيق، انتقل الزيداني إلى البلدة القديمة وسماها حيفا الجديدة. وتقع من ساحة الحناطير حتى الجامع الصغير، وبناها داخل أسوار مثل باقي المدن الإسلامية في تلك الفترة.

وعن تسمية حيّ محطة الكرمل بهذا الاسم، قال المؤرخ منصور: "عندما احتل الإنكليز فلسطين، عمل سلاح الهندسة في الجيش البريطاني على مدّ خط سكة حديد من مدينة القنطرة شمال مصر إلى مدينة اللد في فلسطين. وعمليا امتدت السكة من مصر حتى مدينة حيفا، وهكذا صار اسم المحطة هنا في حيفا محطة الكرمل. ثم قاموا بالربط بين هذه المحطة وسكة الحجاز".

وأوضح منصور أن "هذا الربط بين المحطات في هذه المنطقة بالذات، جعلها نقطة اتصال بين ثلاث قارات، من فلسطين نحو آسيا، ومنها نحو أفريقيا وتحديداً شمال مصر وطنطة واسكندرية، ونحو أوروبا عن طريق شبكة سكك الحديد التي تكمل سيرها من دمشق إلى حلب، ثم الأناضول فإسطنبول ومن هناك إلى برلين".




وأشار إلى أن عقدة المواصلات تلك كانت من الأسباب التي جعلت حيفا مدينة مزدهرة ومتطورة اقتصاديا منذ نهايات القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن العشرين. وبالتالي، بدأت مدينة عكا تتراجع مقارنة بازدهار مدينة حيفا. والمحطة كانت جزءاً من حيفا العتيقة قبل أن يهدمها الظاهر عمر، وتمتد من مكان الكنيسة حتى المستشفى الحكومي رمبام.

وتابع أن "المنطقة العتيقة كانت تشهد حركة سكانية ناشطة مثل حي تل السمك، كان فيها تجمع سكاني في الفترة البيزنطية، ويتركز السكان من ساحة الحناطير حتى الجامع الصغير القريب من جامع الاستقلال".

واستمرت الجولة على الاقدام من الكنيسة إلى مقام السيد عيسى، الواقع في قبو تحت سكة القطار.


حيفا العتيقة تحوي كنائساً ومساجداً وآثاراً تحكي تاريخ المنطقة (العربي الجديد) 


ولفت إلى أن الخرائط الانتدابية تعرف المكان بالمقام، والمقامات هي عبارة عن أضرحة وأماكن مقدسة وتنال شهرتها في فلسطين وسورية ولبنان وحتى مصر وشمال أفريقيا، وفي فترة صلاح الدين الأيوبي دعا لتشييد مقام في كل قرية حتى لو لم يكن فيها قبر لأحد الأعلام".


التعريف بالتاريخ العربي لحيفا العتيقة  رغم محاولات طمسه(العربي الجديد) 



ترميم بعض المباني (العربي الجديد) 


وأوضح أن منطقة المقابر تحتوي على أربع مقابر من الحقبة العثمانية ومنها مقبرة الألمان التمبلارية، والمقبرة العسكرية الإنكليزية من الحرب العالمية، ومقبرة اليهود، ومقبرة الإنجيلية. وقال منصور: "هذا القسم رُمم حديثاً من قبل الحكومة البريطانية لأن موظفين خلال فترة الانتداب ورجال شرطة إنكليز مدفونون فيها. ويوجد شواهد بأسمائهم. وتعود تلك المقبرة إلى منتصف القرن التاسع عشر تقريباً 1850 حتى 1860".

ويشير إلى قبر الطبيب إبراهيم زعرب، هو من أهم الاطباء الأوائل بمدينة حيفا، وكان في عائلته عدد من الأطباء، أشهرهم سامي زعرب، الذي أسس نقابة العرب الفلسطينية الأولى في مطلع القرن العشرين.

وعقب المحامي فؤاد مفيد نقارة رئيس نادي حيفا الثقافي: "هذه الجولة الثانية لنا في القسم السفلي من حيفا، الأولى من ساحة الحناطير حتى المسجد الكبير، والثانية في حي المحطة. الهدف تعريف اهل البلد على تاريخهم وتوثيق الذاكرة الفلسطينية، ونبش الماضي.

وأضاف "نوثق الجولات ونبثها للعالم العربي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولتعريفهم بأننا هنا حيث يوجد أناس يصونون الذاكرة ويحافظون على المكان".