جريمة "فيديو عفرين"... مليشيات كردية بخدمة النظام

01 مايو 2016
الصورة
استفزّت الوحدات الكردية أهالي عفرين(دليل سليمان/فرانس برس)
+ الخط -
فوجئ السوريون بنشر فيديو على مواقع التواصل، منذ أيام قليلة، يُظهر جثث العشرات من مقاتلي "الجيش السوري الحر" تطوف بهم حاملة دبابات في شوارع مدينة عفرين، ذات الأغلبية الكردية، شمال غرب حلب، إثر مقتلهم على أيدي وحدات "حماية الشعب" الكردية في معركة بالقرب من مدينة تل رفعت، شمال حلب، في مشهد يجمع كثيرون على وصفه بالفضيحة الأخلاقية التي يخشى أن يكون لها ارتدادات خطيرة في منطقة مختلطة إثنياً.

أعاد "فيديو عفرين" طرح أسئلة عن العلاقة التي تربط حزب "الاتحاد الديمقراطي" الكردي (الفرع السوري للعمال الكردستاني) بنظام الرئيس السوري بشار الأسد، إذ ذكر أكثر من مسؤول رفيع المستوى من داخل النظام أنّ الذراع العسكري للحزب، وهو وحدات "حماية الشعب"، تتلقى دعماً عسكرياً مباشراً منه. كما أشار هؤلاء المسؤولون إلى أن هناك تنسيقاً عالي المستوى تم ولا يزال في مناطق شمال وشمال شرق سورية. ويرى مراقبون أنّ النظام سلّم هذه المناطق للحزب الديمقراطي بدءاً من عام 2012 لتطويق الثورة ووأدها في المناطق الكردية، في إطار تفاهمات سرية، تصبّ في إطار حزبي ضيق.

لم تمرّ العلاقة العربية الكردية في سورية بمحطات مفصلية تنذر بالأسوأ كما هي عليه اليوم، إذ ارتفع منسوب التوتر إلى مستويات خطيرة، خصوصاً منذ تدخل موسكو بشكل مباشر في سورية أواخر سبتمبر/ أيلول الماضي. دعم الطيران الروسي الوحدات الكردية في محاولاتها قضم المزيد من الجغرافيا السورية لإقامة جيب عنصري في شمال سورية محاذ للحدود مع تركيا. وتقدمت الوحدات الكردية في فبراير/ شباط الماضي تحت غطاء ناري غير مسبوق من قبل الطيران الروسي، وسيطرت على مدن وبلدات كانت خاضعة للمعارضة السورية، خصوصاً مدينة تل رفعت ومحيطها، وهي من كبرى مدن ريف حلب الشمالي. وهجّرت الوحدات الكردية أهالي تل رفعت، وقامت بعمليات نهب واسعة طاولت كل ما في المدينة، بما فيها المستشفيات، وفق ما ذكرت مصادر محلية.

وتزامن التحرك الكردي مع آخر للمليشيات المدعومة من إيران باتجاه بلدتَي نبل والزهراء في ريف حلب الشمالي، ما يشير إلى وجود تنسيق في العمليات العسكرية بين الطرفَين، وهو أمر أكدته مصادر المعارضة أكثر من مرة. ويشير رئيس هيئة الأركان العامة في "الجيش السوري الحر"، العميد أحمد بري، إلى أن هناك تنسيقاً واضحاً بين الوحدات الكردية والنظام، موضحاً في حديث لـ"العربي الجديد"، أن منطقتَي عفرين والشيخ مقصود لم تشهدا أي غارة من طيران النظام طيلة سنوات الثورة. ويلفت إلى أن الحوّامات الروسية وتلك التابعة للنظام تهبط في عفرين لتنقل مقاتلين وأسلحة، مشيراً إلى أن هناك تنسيقاً بين الوحدات الكردية والمليشيات في بلدتَي نبل والزهراء القريبتين من عفرين.

ويلفت بري إلى أن الطيران الروسي ومقاتلات النظام تقدم الدعم الناري لهذه الوحدات في كل العمليات العسكرية التي تقوم بها، معتبراً ما جرى في القامشلي (شمال شرق سورية)، منذ أيام، بين قوات النظام والوحدات الكردية من اشتباكات "مجرد تمثيلية لإظهار الأكراد كقوة على الأرض لإدخالهم في عملية التفاوض في جنيف".

وتتهم المعارضة السورية الوحدات الكردية بمساعدة النظام لفرض طوق على مدينة حلب من خلال استهدافها المباشر لطريق الكاستيلو، وهو شريان المعارضة، وعلى أكثر من 600 ألف مدني في الأحياء التي تخضع للمعارضة في حلب وامتداداً إلى ريفها الغربي. ويعني قطع هذا الطريق حدوث كارثة إنسانية غير مسبوقة في سورية. وتتخذ الوحدات الكردية من حي الشيخ مقصود (حي مستحدث عشوائي على أطراف حلب الشمالية) مقراً لها داخل مدينة حلب، ومن خلاله تستهدف الكاستيلو وفصائل معارضة، ما يؤدي إلى اندلاع معارك بين الطرفين بين فينة وأخرى. وتتهم جهات عدة الوحدات الكردية بـ"مشاغلة" المعارضة وتشتيت جهودها العسكرية لصالح قوات النظام والمليشيات التي تساندها.

ويؤكد أحد القادة الميدانيين في الفرقة 13 التابعة لـ"الجيش السوري الحر" الناشطة في شمال حلب، الرائد موسى الخالد، أنّ التنسيق بين الوحدات الكردية والنظام وحلفائه "ظاهر للعيان لا ريب فيه على الإطلاق"، مشيراً لـ"العربي الجديد"، إلى أن هناك العديد من المواقف التي تجلى فيها التنسيق بشكل واضح. ويلفت الخالد إلى أن الوحدات الكردية ساعدت قوات النظام والمليشيات أثناء فتح طريق نبل والزهراء في ريف حلب الشمالي في فبراير/ شباط الماضي، من خلال التقدم باتجاه مدينة تل رفعت ومطار منغ العسكري الذي كان تحت سيطرة قوات المعارضة، تحت غطاء ناري من الطيران الروسي ومقاتلات النظام.

ويوضح الرائد ذاته أنّ التنسيق عالي المستوى يتجلى أكثر في منطقة الشيخ مقصود، إذ تُنفّذ الوحدات أوامر النظام بقطع طريق الكاستيلو لمحاصرة حلب والقضاء على المعارضة فيها، مضيفاً أنّه تنسيق ناري مفضوح، إذ يقوم طيران الروس والنظام بقصف أهداف للمعارضة وفق إحداثيات ترسلها الوحدات الكردية. ويرى الخالد أن النظام هو من يدير ما سمّاه "الحفلة" بين الوحدات الكردية وتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، مشيراً إلى أن الوحدات تهاجم المعارضة كلما بدأت الأخيرة معركة ضد التنظيم شمال حلب.

ويتساءل الخالد عن سبب عدم اشتباك هذه الوحدات، التي تدّعي محاربة الإرهاب، مع التنظيم في منطقة احرص في ريف حلب الشمالي، وهي على تماس معه، معتبراً أنّ ما قامت به الوحدات من عرض لجثث مقاتلين من المعارضة في عفرين ولّد احتقاناً كبيراً في النفوس. ويعتبر أنّ الوحدات الكردية لا تمثل أكراد سورية، "وهناك العديد من الشبان الأكراد يقاتلون معنا ضد قوات النظام".

في المقابل، يرى مستشار الرئاسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي، سيهانوك ديبو، أن "فيديو عفرين" "تفصيل خاطئ إفرادي لا ينمّ عن أخلاقيات القوة العسكرية ضمن مشهد النصر على مجموعات عسكرية هاجمت وحدات حماية الشعب والمرأة التي تقوم بحماية جميع المكونات في عفرين".

ويتابع عرض وجهة نظره، في حديث لـ"العربي الجديد"، قائلاً: "هو تفصيل خاطئ غير مقصود جرى تضخيمه إعلامياً من قبل بعض القنوات الإعلامية والنفوس التي لا تقبل التغيير بمحتواه الديمقراطي والتي عهدناها سريعة بتوصيفاتها إزاء كل نصر عسكري تقوم به وحدات حماية الشعب منذ سنوات وعموم قوات سورية الديمقراطية". ويعتبر ديبو أن "العيش المشترك والعلاقة الكردية العربية لا يمكن أن تتأثرا بالشحن الكبير الذي تنشره بعض وسائل الإعلام المدعومة من النظام التركي، وبعض الدول الإقليمية الأخرى التي أساءت كثيراً إلى الشعب السوري، بكل مكوناته".

ويلفت ديبو إلى أنّ الأكراد هم "أكثر القوى السورية التي أضعفت النظام سياسياً وعسكرياً"، مضيفاً أنّه "في الجانب السياسي، وهو الأهم، من خلال طرح اللامركزية الديمقراطية المتمثلة بالنظام الفيدرالي الديمقراطي في شمال سورية، والمعتمد بدوره على إدارات ذاتية ديمقراطية تعبّر عن إرادة جميع المكونات، وليس وفق القومية فقط كما يُراد تشويهها أيضاً". ويؤكد أنّ ما سمّاها بـ"الاعتداءات التي قام بها النظام ممثلاً بأفرعه الأمنية في مربعه الأمني بمدينة القامشلي، وبعض الجماعات المسلحة المرتبطة، أخيراً، يعني عدم وجود أي تنسيق مسبق ومنظّم بيننا".

من جهته، يصر الكاتب السوري الكردي المعارض، صلاح بدر الدين، على أن العلاقات الكردية العربية "ضاربة الجذور في أعماق التاريخ، ولن تؤثر في متانتها ورسوخها ألاعيب نظام الأسد، ولا مخططات المليشيات"، مضيفاً لـ"العربي الجديد"، أنّ "قدرنا أن نعيش سوية، وأن نتفاهم، ونحدد الحقوق والواجبات، ونعترف بالبعض الآخر ونحترم خصوصيات البعض من دون إكراه أو عنف". وأوضح أن "كل الشوائب المتراكمة على طريق عيشنا المشترك من صنع الأنظمة الاستبدادية، والقضاء على هذه الأنظمة سيعيد الاعتبار إلى تآخينا في ظل الديمقراطية والمساواة. ومهما تطورت الأمور وتبدّلت النظم والإدارات بالمستقبل، يبقى الكرد والعرب إخوة وأصدقاء في وطن واحد أو في أوطان متعددة"، على حدّ تعبيره.

المساهمون