تونس وغياب قيم الانتقال الديمقراطي

تونس وغياب قيم الانتقال الديمقراطي

14 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

في خضم الصراعات السياسية والمناكفات العبثية التي لا تنتهي، منذ عقد تقريبا، بين مختلف النخب الحزبية والسياسية في تونس، نستطيع، من دون عناء كبير، أن نقف على جملةٍ من الخلاصات الأولية، لعل أهمها غلبة المناورات السياسية على سلوك الفاعلين ومبادراتهم، حتى تحولت السياسة، عند أغلبهم، إلى حرب الكل ضد الكل، حربٍ تستعمل فيها أقصى المبرّرات للتنكيل بالخصوم السياسيين، من دون أي رادع أخلاقي أو سياسي. أما القانون فإنه آخر ما يمكن أن يردع الناس، فضلا عن النخب: استهتار به، تشكيك في استقلاليته، ولعب بصورته ووثائقه على شاشات إعلام منفلت، وحرّض هذا كله الناس على القضاء. لقد رأينا في "بلاتوات" الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي سلخ القضاء في تطاول عليه غير مسبوق.
وقد أشار "المسح العالمي للقيم" (تجريه شبكة عالمية من علماء الاجتماع) و"المؤشر العربي" (ينجزه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)، في مناسبات عديدة، إلى انحياز الشعوب العربية للديمقراطية. وتمت الإشارة، في مواقع عديدة أيضا، إلى حالة الانفصام التي تعتري فئاتٍ واسعة، فعلى الرغم من توقها للديمقراطية، تظل متردّدة، بل معادية لجملة من القيم التي تجاور الديمقراطية وتصاحبها، على غرار قيم المسؤولية وحرية الضمير والمساواة بين الرجل والمرأة.. إلخ. طبعا إلى جانب كل القيم التي تتعلق بالشرف والحياة الحميمية الخاصة بالأفراد.. إلخ. ولكن يبدو أن حالة الانفصام تلك قد ضربت بدورها النخب الحزبية والسياسية التونسية، ولم ينج منها إلا القليل، وهي التي يفترض أن تكون مؤتمنةً على تعزيز الانتقال الديمقراطي وشروطه القيمية.

لم تفلح مختلف صيغ المصالحة الوطنية، بما فيها التي تمت تحت قبة البرلمان، ونصّت عليها القوانين، في طي صفحة الماضي

تتواصل في تونس حرب الكل ضد الكل، لتغدو السمة الثابتة الوحيدة في مشهد سياسي متقلب. تتواصل الحروب القديمة، بل تتجدد، بين أنصار النظام القديم والقوى السياسية الجديدة التي منحتها الثورة شرعية الوجود، لم تفلح مختلف صيغ المصالحة الوطنية، بما فيها التي تمت تحت قبة البرلمان، ونصّت عليها القوانين، في طي صفحة الماضي، كما أن جهود تجربة العدالة الانتقالية في هذا المسعى بالذات ظلت محدودة، وقد ورثت الأمينة العامة للحزب الحر الدستوري، عبير موسى، جبال الحقد والكراهية التي كانت بين أنصار حزب التجمع الدستوري الديمقراطي (حزب بن علي الحاكم سابقا، المنحل) والمعارضة عموما، وخصوصا الإسلاميين منهم. وقد أعاد رفض حركة النهضة، بزعامة راشد الغنوشي، في المجلس التأسيسي في العام 2012، إقرار قانون العزل هذه الأشباح لتغدو فاعلا سياسيا، يكيل للثورة والمعارضة أبشع النعوت تحت قبة البرلمان ذاته، وذلك من مكر التاريح ونكد الزمان. وقد نجد ألف عذر لاستمرار هذه الجبهة على أشدّها بين أعداء الماضي الزاحف على حاضرنا والذي عطّل مجلس النواب خلال السنة الأولى من عمره، وقدّم صورة سيئة عنه، وعن النواب، والعمل النيابي عموما، وأكثر من أي وقت مضى، ولكن أن تشتعل جبهاتٌ بين رفاق صف الثورة، فهذا ما يقتضي جهدا استثنائيا للتفكيك والفهم.

تتواصل الحروب القديمة، بل تتجدد، بين أنصار النظام القديم والقوى السياسية الجديدة التي منحتها الثورة شرعية الوجود

يعود الأمر، في تقديري، إلى لحظة سقوط النظام وبروز رهانات جديدة لدى الفاعلين السياسيين، تقوم على التنافس السياسي الحاد، وما يقتضيه من وهم الانفراد بالحقيقة السياسية والأخلاقية، وذلك ما فاقم الهواجس المتبادلة إلى حد الرهاب من الآخر الرفيق الذي تحول إلى خصم شرس. تشكلت هذه المشاعر على قاعدة الخشية من أن يكون الآخر ممحاةً تهدد الوجود. هذا الخوف الغريزي المبكر هو الذي عطل إمكانية الالتقاء الحقيقي، وغذّى أزمة الثقة المتبادلة. انقلب حلفاء الأمس من يساريين وإسلامين، والذين كانوا قد التقوا في هيئة 18 أكتوبر للحقوق الحريات (في العام 2005)، على بعضهم بعضا، فرّقتهم الثورة وحولتهم أعداء. وكان خوف هؤلاء من قدوم الإسلاميين، المبالغ فيه، فضلا عن غرورهم، والإرهاب، سببا في الخلافات التي ظهرت مبكرا لتحصل القطيعة، و"العداوة الأبدية" بعد الاغتيالين الذين طاولا الشهيدين، شكري بلعيد في فبراير/ شباط 2013 ومحمد البراهمي في يوليو/ تموز 2013.
كان الحكم وما يقتضيه من تنافس سياسي، في سياقات انتقالية حادّة، العامل الآخر الذي غذّى العداوات التاريخية، وذلك ما أشعل فتيل الحرب بين الفرقاء. ويتواصل القصف العنيف والمباشر بين هؤلاء خلال الحملات الانتخابية وما أكثرها: رئاسية، تشريعية، بلدية.. إلخ. ولكن على خلاف كل الأعراف، يتواصل القصف حتى بعد صدور النتائج، إذ ينقسم المتنافسون إلى حكام ومعارضين، لتتغذّى حرب الكل ضد الكل من مصادر عديدة: إدارة الملفات والاختيارات والسياسات العمومية المتبعة والأخطاء المرتكبة، علاوة على العداء الأيديولوجي الموروث.

يكشف الصراع تحت قبة البرلمان، وفي الفضاء الأزرق الافتراضي، عن انتهاكاتٍ فجّة لمبادئ حقوق الإنسان ووحدة الدولة والاحتكام إلى دولة القانون وعلويته

لا يعود الأمر إلى مجرّد سياقات حادّة ظلت دوما على أهبة الانفجار، ترمي الأحداث المستجدة يوميا بأطنان من الحطب على نيرانٍ رفضت أصلا أن تخمد لتظل دوما مشتعلة. ولكن الأمر أعمق بكثير، فهو يعود إلى قيم الثقافة السياسية التي تشكل تصورات الناس وقيمهم وقناعاتهم. تفيد المؤشرات المذكورة سابقا بأن النخب التونسية قد ذهبت إلى انتقال ديمقراطي، من دون أن تتشبع بما يكفي بقيمه وفضائله. يتم عادة اختزال الانتقال الديمقراطي في محطات انتخابية مشدودة في جلها، حسب تصوراتها، إلى إجراءات شكلية، هي قوانين وأرقام وهياكل. يكشف الصراع تحت قبة البرلمان، وفي الفضاء الأزرق الافتراضي، عن انتهاكاتٍ فجّة لمبادئ حقوق الإنسان ووحدة الدولة والاحتكام إلى دولة القانون وعلويته، من دون أن نشير إلى عنف اللغة، والمعجم الذي لا يتورّع عن قذف جبالٍ من الشتيمة على كل مخالف.
ستحتاج تونس إلى مسار طويل من أجل توطين الإنتقال الديمقراطي في تربية ثقافية راسخة، قبل توطينه في مؤسسات صلبة، على أهمية ذلك والحاجة الملحّة إليه.