تونس .. وباء تحت السيطرة ومخاطر قائمة

03 مايو 2020
الصورة
بدأت تونس، على غرار بلدان عربية، تخرج تدريجيا من الحجْر الصحي الذي أقرّته الحكومة مدة ناهزت شهرا ونصف الشهر، إذ تستأنف يوم غد الاثنين أنشطة اقتصادية وإدارية عديدة، باستثناء التعليم والثقافة والرياضة التي أجل استئناف فعالياتها. تم إنقاذ السنة الدراسية بمشقة، حيث تم الحفاظ على الاختبارات (الامتحانات) الوطنية التي ستجرى بعد شهرين، في حين تم إنهاء السنة لبقية المستويات الدراسية الأخرى. بعد أيام، ستستأنف الحياة نسقها العادي، على الرغم من صعوبة ذلك، فعديدون يؤكّدون أن الحياة الاجتماعية لن تعود إلى نمطها المعتاد، فعالم ما قبل كورونا لن يكون مماثلا ما بعده.
يبدو أن تونس تجنبت سيناريوهات كارثية، نبه بعضهم إليها، وصدرت عن خبراء وشركات استطلاع الآراء، إذ هناك من توقع مئات آلاف المصابين، وما لا يقل عن ثلاثة آلاف قتيل.. والبادي أن هذه السيناريوهات لن تحدث، إذ سجلت البلاد، إلى آخر الشهر الماضي (إبريل/ نيسان). وبعد شهرين من الوباء تقريبا، أقل من 50 وفاة ونحو 900 إصابة .. وسجلت مناطق عديدة في البلاد خلوها من الإصابات، في حين انحصر الوباء تقريبا في العاصمة ومدن أخرى .. نجحت تونس في السيطرة على الوباء، على الرغم من ضعف إمكاناتها المادية، وترهل البنية التحتية لقطاع الصحة العمومي تحديدا، حتى عزا بعضهم هذا النجاح إلى مآثر الرئيس الراحل، الحبيب بورقيبة، في الإشارة إلى رهانه على التعليم، ففي عهده شيدت كبرى كليات الطب والصيدلة التي تخرج منها أطباء أكفاء، تمسّكوا بالعمل في القطاع العام، وتصدّوا للوباء ببسالةٍ نادرة، وتحولت الطبيبات إلى أيقونات ملحمة خاضها هؤلاء.
ولا يعني هذا الانتصار على الوباء، حتى وإن تحقق بشكل لا انتكاس فيه، تجاوز البلاد أزماتها 
الحادّة، بل أن الوباء جمدها وأجّلها إلى حين، إذ يمكن أن تخرج البلاد منتصرةً في حربها على الفيروس، لتجد نفسها أمام أزمة اجتماعية حادّة، فالفئات التي شلها الخوف وسجنها الحصر الصحي ستجد فرصتها للتعبير عن غضبها إزاء الحرمان الذي أصابها. وإذا كانت الدولة قد سعت إلى التضامن معها، فإن الوباء قد كشف عن حجم غياب العدالة، وأبان الفوارق الكبيرة، حتى غدا الحجْر الصحي عقابا مسلطا عليهم. وعلى الرغم من موارد الدولة المحدودة والإعانات الاجتماعية، ظلت فئاتٌ عديدةٌ تحت خط الفقر، عبث المحتكرون والسماسرة برغيفهم اليومي.
على خلفية هذه المناخات الواردة، يحذّر بعضهم من اندلاع موجات متلاحقة من الاحتجاجات الاجتماعية التي ستؤججها أقليات شبابية. ولكنه، بفضل خبرتها وجرأتها ولعبتها الصفرية، فإنها مستعدّة للذهاب إلى أقصى المسالك المتطرّفة، فليس لها ما تخسر، وقد تقلب الطاولة على الجميع. تبدو الحالة اللبنانية أمامنا مثالا يخيف دولا عديدة، فالأنظمة الاستبدادية والديمقراطية لن تسلم من الاحتجاج، وقد عرّى الفيروس عيوبها، وإن اختلفت المصادر.
كما يمكن أيضا أن تخرج تونس بانتصار مهم، لكنه ينهار ويتضاءل بالذات أمام الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها، إذ ورثت الحكومة جبالا عالية من المشكلات على غرار الأزمة المالية العمومية، وإفلاس مؤسسات وطنية عديدة، علاوة عن انكماش الاستثمار وتعطل إنتاج الفوسفات، بسبب اضطرابات اجتماعية مزمنة. كانت هذه أولوية الأولويات أمام حكومة إلياس الفخفاخ التي جاءت تحديدا لوضع حدّ لهذا الإخفاق المتواصل منذ الثورة، ولكن الوباء ضاعف التحدّيات، ورفع من سقف المخاطر.
كما يمكن أيضا أن تخرج تونس من دون أضرار صحية ذات بال. ولكن قد يتفكّك التحالف 
الحكومي، فقد شهت البلاد في الأسابيع الأخيرة من الحجْر الصحي اختلافات حادّة بين أحزاب التحالف، وخصوصا بين حركتي النهضة والشعب ذات الميول القومية، فضلا عن افتقاد الانسجام الحكومي، واصطياد الأحزاب الحاكمة عثرات بعضها بعضا، من أجل تحقيق مكاسب سياسية، ولو على حساب التضامن الحكومي في حدوده الدنيا، فقد تفجرت قضايا عديدة خلافية، تتهم فيها الأحزاب بعضها بعضا تحت قبة البرلمان، خصوصا في ما يتعلق بشبهات الفساد التي لاحقت مشروع صناعة الكمّامات، بارونات الفساد والاحتكار، وأخيرا مشروع اتفاقيتي الاستثمار الموقعتين بين تونس وكل من تركيا وقطر، وقد عرضتا على البرلمان وسط اتهامات متبادلة بين أحزاب الحكم بالتفريط في استقلال البلاد وسيادتها. واستغلت بعض مكونات التحالف الحكومي البرلمان من أجل اتهام "النهضة" بترسيخ اصطفافاتها، وجرّ البلاد إلى محاور إقليمية. ويخشى متابعون عديدون أن يتفكّك التحالف الحكومي بعد الحجر، إذا لم يعمل رئيس الحكومة على بسط نوع من الانسحام بين أحزابها، ما سيكون له أثر على مناخ البرلمان، خصوصا وأن الرجل قد اشتغل قبل توليه منصبه على ميثاق أدبي أخلاقي بين الأحزاب الحاكمة، ولم ير النور بعد.
وأخيرا، يمكن أن تتجه تونس، لا سمح الله، إلى السيناريو الكارثي، حيث تنتكس الحالة الوبائية، وتسقط البلاد في سيناريو مخيف، أن ترتفع أعداد الإصابات والوفيات. ولن يستطيع النظام الصحي احتواء الوباء، وتسجل نسب وفيات قياسية، على غرار ما وقع في بلدان مجاورة. هذه الفرضية إذا ما صاحبتها إخفاقات اقتصادية واجتماعية وتفكك حكومي قد تجعل البلاد آنذاك على حافة الانهيار. وعلى الرغم من أن هذا السيناريو مستبعد، فإنه يظل حاضرا، ولو فرضيةً متخيلةً وضعيفة. والأرجح عندي في ذلك كله أن يظل الوباء تحت السيطرة. وقد تصوغ تونس قصة نجاح، ولكن في ظل تراكم الأعباء الاقتصادية والاجتماعية، ما يجعل الحكومة أمام اختبارات صعبة، تقتضي كثيرا من الخيال الخلاق والجرأة والتماسك.
تعليق: