تونس: هل تفي هيئة الانتخابات بتعهداتها؟

23 اغسطس 2019
الصورة
أعلنت الهيئة جدول الانتخابات الرئاسية المبكرة بـ30 يوليو(فرانس برس)
بدأ حجم الضغوط المسلّط على الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس يزداد، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المبكرة المقررة في 15 سبتمبر/ أيلول المقبل، وفي خضم الاستعدادات للانتخابات التشريعية المقررة في 6 أكتوبر/ تشرين الأوّل المقبل. إذ يبدو أنّ الروزنامة التي حددتها الهيئة لا تخلو من العراقيل، لا سيما إذا ما تمّ إجراء دورة ثانية من الانتخابات الرئاسية، في ظلّ إجراء الانتخابات التشريعية التي انطلقت مرحلة قبول الترشحات بشأنها، إلى جانب ما أثارته مسألة تزوير التزكيات، والارتباك الحاصل من قبل الهيئة في التعامل مع هذا الملف.

وينصّ قانون الانتخابات التونسي على احترام شروط الترشح للانتخابات، وأهمها تزكية يوقّع عليها عشرة آلاف مواطن، أو أربعين رئيس بلدية، أو عشرة نواب بالبرلمان، إضافة لضمان مالي بقيمة عشرة آلاف دينار تونسي (3.5 آلاف دولار)، علاوة على شهادة الجنسية التونسية.

في السياق، أكد القيادي في التيار الديمقراطي، غازي الشواشي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنّ "هيئة الانتخابات أمام العديد من التحديات، فعلى الرغم من أنها اضطرت في وقت سابق إلى تعديل روزنامتها الانتخابية، وتحديد موعد لانتخابات رئاسية مبكرة مباشرة بعد وفاة الرئيس السابق الباجي قائد السبسي، إلا أنه كان عليها مراجعة روزنامة الانتخابات التشريعية، ولكنها حافظت عليها، وهو ما أدى إلى حصول تداخل في المسارين".

وأوضح الشواشي أنهم نبهوا سابقاً الهيئة إلى ذلك، لأنهم يدركون جيداً الإمكانيات البشرية واللوجستية لها، والتي تعتبر "محدودة ومضبوطة"، موضحاً أنّ "بعض الهفوات بدأت تظهر على السطح، ومنها عدم نشر التزكيات، ما أدى إلى حصول أخطاء، ومنها قبول الهيئة مرشحاً للرئاسية لديه 3 تزكيات تحوم حولها شبهات تدليس، ما يكشف عن حجم الارتباك الحاصل داخل الهيئة". وأضاف أنّ موعد 15 سبتمبر مخصّص للانتخابات الرئاسية، وفي الوقت نفسه هو موعد لانطلاق حملة الانتخابات التشريعية، متسائلاً "كيف يمكن للهيئة، بإمكانياتها البسيطة، الإشراف على انتخابات رئاسية، ومراقبة الحملة الخاصة بالانتخابات التشريعية، مع العلم أنّ يوم الاقتراع هو أيضاً يوم صمت، وفي الوقت نفسه يوجد مرشحون للرئاسية وللتشريعية؟ وبالتالي الإشكاليات بالجملة، والهيئة رفضت مراجعة الأمر، ما قد يوقعها في أخطاء قد تمسّ بنزاهة الانتخابات".

وأكّد الشواشي أنّ "الهدف ليس القيام بانتخابات فحسب، إنما ضمان انتخابات شفافة ونزيهة، والحيلولة دون أن تقود الصعوبات إلى أخطاء". ولفت إلى أنّ "عمليات سبر الآراء التي يمنعها القانون تمارس عملها حالياً في الخفاء، والهيئة لا تحرّك ساكناً، وهناك مرشحون للرئاسية بصدد توظيف بعض وسائل الإعلام للإشهار السياسي المقنع، ولا إجراءات حاسمة ضدهم. كما أنّ هناك خليطاً بين العمل الجمعياتي والسياسي، ومع ذلك لا توجد رقابة كافية، وكل هذا يعود إلى الهيئة التي لم تحسن ربما ضبط الروزنامة للانتخابات التشريعية والرئاسية أو مراجعتها".

من جهته، قال الأمين العام للحزب الجمهوري، عصام الشابي، في حديث مع "العربي الجديد"، إنّه "على الرغم من دعم الأحزاب السياسية ومساندتها الكبيرة للهيئة، خصوصاً أنّ مستقبل تونس رهن نجاح الانتخابات والقبول بنتائجها، إلا أنّ هذا لا ينفي أنّ الهيئة تعمل اليوم تحت ضغوط كبيرة، وهناك تداخل بين الانتخابات الرئاسية والتشريعية، إضافة إلى أنّ الانتخابات البلدية الجزئية أثقلت كاهل الهيئة بالعديد من المهام الإضافية". وأوضح أنّ "الهيئة ما فتئت تصرح بأنها لا تزال تسيطر على الوضع، وقادرة على إنجاح الاستحقاق الانتخابي، ولكن هذا لا ينفي وجود صعوبات ومخاوف عديدة".

وتابع الشابي أن "العديد من القضايا برزت اليوم، وللأسف الهيئة لم تتعامل معها بالنجاعة الكافية والسرعة المطلوبة، خصوصاً في حسم بعض الملفات، ومنها قضية التزكيات التي حامت حول بعضها شبهات تزوير، ومع ذلك لم تنشر الهيئة تزكيات النواب إلا بضغط من المجتمع المدني". وأكّد أنّ "التزكيات الشعبية هي أيضاً محور إشكاليات، إذ إنّ الهيئة طلبت من المزكّين اللجوء إلى القضاء بحال إدراج أسمائهم من دون علمهم، إلا أنّ هذا الأمر غير مقبول، والمطلوب مزيد من الحزم والشفافية، إذ إننا قد نجد رئيساً فائزاً بالانتخابات على الرغم من أنه قدم تزكيات مزورة". وأوضح أنّ "الهيئة أحالت الأمر للقضاء الذي قد يبت في الأمر بعد سنوات عدة، في حين أنّ مثل هذه القضايا والإشكاليات كان لا بدّ من التعامل معها بحزم أكثر منذ البداية، وأن تتدخّل الهيئة وفق الصلاحيات التي يحددها لها القانون للبت في الأمر".

وأشار الشابي إلى أنّه "من بين الحلول الممكنة التي كان من الأنسب أن تلجأ إليها الهيئة، منح أجل أسبوع واحد أمام المزكّين للتثبّت من موضوع التزكيات والطعن فيها، وكذلك النائب الذي يسحب تزكيته أو يعلن أنه لم يزكّ مرشحاً، لتجتمع بعدها الهيئة، وتعلن قرارها، ما يعطيها مصداقية ويمنحها القوة والصلابة في التفاعل مع بعض القضايا". واعتبر "أنّ ما يحصل حالياً هو هروب من المسؤولية، والحسم في الملفات، وكأنّ هيئة الانتخابات تتعامل بالحدّ الأدنى المطلوب، ما يجعل البعض يرى أنّ شخصيتها السياسية والقانونية ضعيفة".

وأشار الشابي إلى أنه على الرغم من دعمهم للهيئة، إلا أنه "لا بدّ من تنبيهها إلى ضرورة التعامل مع القضايا المطروحة بشكل جدّي وحاسم وسريع ونافذ، لكي لا يكون هناك أي شك في نزاهة الانتخابات".

من جانبه، لفت عضو الهيئة المستقلة للانتخابات، عادل البرينصي، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أنّ "الهيئة مرّت بالعديد من المراحل في المسار الانتخابي وفي التحضير للانتخابات، وهي بصدد مواصلة عملها"، موضحاً أنّها "تسلّمت الحبر الانتخابي، وهي في انتظار الصناديق الخاصة بالاقتراع، لتوزيعها داخل تونس وخارجها، وبالتالي هناك عمل يومي تقوم به". ولفت البرينصي إلى أنه "حتى وإن وجدت إشكاليات، فالهيئة تتعامل معها، وتسعى إلى تذليلها، خصوصاً أنّها أمام أكبر عملية لوجستية وتنظيمية ستخوضها تونس"، وأشار إلى أنّ الهيئة "لديها أكثر من 70 ألف عون على ذمتها"، وقد نظمت انتخابات جزئية في بعض المحافظات التونسية.

وقال المتحدث نفسه إنه "على الرغم من بروز اختلافات في بعض التوجهات في التعامل مع بعض القضايا، إذ إنّ الهيئة كانت تعتمد على فريقين في العدّ الآلي ثمّ اليدوي والمقارنة بينهما تماماً مثل بعض تجارب المقارنة، إلا أنّ هناك توجهاً داخل مجلس الهيئة لإحداث فريق واحد يتولى الجمع بين العد اليدوي والآلي، وهذا الموضوع لا يزال محلّ نقاش". وأشار إلى أنّ "الروزنامة التي حددتها الهيئة تسير بنسق عادي ولا يوجد ما يدعو إلى الخوف". ولفت إلى أنه سيتم يوم 31 أغسطس/ آب الحالي البتّ في الطعون للانتخابات الرئاسية بمرحلتيها الابتدائية والاستئنافية، وتوجد اليوم قضيتان أمام القضاء، ولكن شكلياً سيتم رفضهما، لأنّ صاحبيهما لم يتوليا إعلام الهيئة، بحسب ما ينصّ عليه القانون، مؤكداً أنّ الأخيرة لا تنكر وجود صعوبات، ولكنها تواصل عملها وتأمل إنجاح الانتخابات.