تونس: ملاحظات على هامش عجز الشابي عن الترشح للرئاسة

21 اغسطس 2019
الصورة
يؤكد الشابي أن تونس بخير رغم كل شيء (الأناضول)
من بين الذين ناضلوا حتى تصبح تونس ديمقراطية شخص يدعى نجيب الشابي. بدأت معارضته لنظام الحبيب بورقيبة منذ ستينيات القرن الماضي على الرغم من أن والده كان وزيراً للعدل في أول حكومة بعد الاستقلال. وبدأ مساره السياسي بعثياً، لكنه سرعان ما تحوّل إلى يساري راديكالي مثل العديد من شباب تلك المرحلة. سُجن ثم عاش في السرية قبل أن يتمكّن من التسلل إلى خارج الحدود، ويستقر به المطاف في باريس مع المئات من المعارضين. ثم عاد إلى أرض الوطن خلال مرحلة الانفتاح السياسي وأسس مع عدد من رفاقه حزباً صغيراً هو "التجمّع الاشتراكي التقدمي" بعد القيام بمراجعات هامة على الصعيد الأيديولوجي. خاض العديد من إضرابات الجوع دفاعاً عن جملة من الحقوق السياسية وفي مقدمتها الحق في التعبير والتنظيم. وعلى الرغم من جبروت الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي الذي شنّ حرباً شعواء على الإسلاميين، إلا أن الشابي قرر بشجاعة أن يفتح حزبه للكثير منهم، وأن يسمح لهم بالكتابة في صحيفة "الموقف" التي كانت تنشر أخبار المعتقلين والمهجرين منهم. وكان من أهم الذين نظّموا مبادرة 18 أكتوبر التي أحرجت السلطة وكشفت الطبيعة الاستبدادية لنظام الحكم وهيمنته المطلقة على وسائل الإعلام.

بعد الثورة التونسية، كان من بين الأسماء البارزة، وكانت حظوظه وافرة لكي يصبح رئيساً لتونس في ظل ديمقراطيتها الناشئة. وكاد الحظ وتاريخه السياسي أن يجعلا منه شريكاً لحركة "النهضة" وأحزاب أخرى في قيادة المرحلة الانتقالية. لكن فجأة اندلعت حرب سياسية بينه وبين الإسلاميين، وتغيّرت نتيجة ذلك المعادلة السياسية، فضاعت فرصة كانت ستكون في صالح البلاد.

بعد ذلك، فشل التفاوض بينه وبين الباجي قائد السبسي حول إقامة جبهة قبل انتخابات 2014 كان الهدف منها الإطاحة بحكومة الترويكا، لكن اختلفت التقديرات وتعارضت المصالح، وكانت النتيجة مؤلمة ومكلفة للشابي وحزبه. ثم عاد الاتصال بين الرجلين بعد فترة من رئاسة السبسي الذي شرع يومها في البحث عن بديل لرئيس الحكومة الحبيب الصيد، لكن الاختيار النهائي وقع على يوسف الشاهد الذي كان في يوم من الأيام عضواً في الحزب الذي أسسه الشابي.


بعد هذه المسيرة الطويلة، يجد الشابي نفسه محروماً من المشاركة في الانتخابات الرئاسية المبكرة المقررة في 15 سبتمبر/أيلول المقبل، والسبب عجزه عن جمع توقيعات عشرة نواب في البرلمان، أو أربعين توقيعا لرئيس بلدية، أو عشرة آلاف تأييد من مواطنين. صدمة أخرى يتلقاها هذا السياسي وهو يقترب من نهاية مسيرته وهو يبلغ 75 عاماً. أمام هذا الواقع، يتساءل كثيرون في تونس: كيف يُحرم سياسي عريق و"مناضل" مثل نجيب الشابي من بعض التوقيعات ليخوض انتخابات هامة في حين يتمكن آخرون من بعض الهامشيين من جمع آلاف المؤيدين وأن يتصدروا المشهد السياسي في لحظة فارقة لم يكتمل فيها البناء الديمقراطي؟ كيف انقلبت المفاهيم وتغيّرت المقاييس وأصبح المال مقدماً على الكفاءة والنضال؟ 

عندما سألته "العربي الجديد" عن شعوره إزاء فشله في الترشح لانتخابات 15 سبتمبر المقبل، أكد نجيب الشابي أن "تونس بخير على الرغم من كل شيء، وأنها تتمتع بطاقة امتصاص كبرى للأزمات وقدرة على السيطرة عليها". وأضاف أن "ما يجري في البلاد ظاهرة طبيعية بحكم عدم وجود مبادرة ديمقراطية عميقة. فما حصل في أميركا في قرنين لا يمكن تكراره في تونس خلال عشر سنوات. إذا اختار التونسيون نبيل القروي رئيساً فلهم ذلك، وما أتمناه ألا تطول هذه المرحلة كثيراً". وتابع: "الصراع حالياً بين المتنافسين ليس حول مشروع ديمقراطي اجتماعي واضح المعالم بقدر ما هو معارك حول طموحات فردية ونرجسية، وهو ما يؤكد أن البلاد لم تكن مهيأة لثورة بالمعنى العميق، ولم تكن النخبة قادرة على إنتاج أفكار ومشاريع فكرية جدية، تكون قادرة على مواجهة إعلام فاسد وأزمة قيم واضحة للعيان".

ليست العبرة في نجاح الشابي أو عدمه في هذه الانتخابات. تلك مسألة نسبية، فهو ذاق مرارة الهزيمة في مناسبة سابقة، لكنه استفاق من الصدمة وواصل طريقه بعد أن اختلى بنفسه أشهراً عديدة وكاد أن يرمي المنديل. وها هو اليوم يستعد لإصدار كتابين، يتعلق الأول بسيرته السياسية، والثاني مخصص لمساره الفكري.
تعليق: