تونس: الفخفاخ وحكومته يصمدان ويخرجان أضعف مما كانا عليه

28 يونيو 2020
الصورة
تمكن الفخفاخ من الصمود بفضل "النهضة" (فتحي بلعيد/فرانس برس)
لم يكن يوما الخميس والجمعة الماضيان عاديين بالنسبة لرئيس الحكومة التونسية إلياس الفخفاخ، الذي اضطر إلى أن يبقى في البرلمان حتى الساعة الرابعة من فجر يوم الجمعة، في جلسة كادت أن تطيحه من منصبه لولا الفيتو (حق النقض) الذي استخدمته "حركة النهضة"، رغم خلافها معه. وبدأت الجلسة مع توجيه المعارضة تهمة "تضارب المصالح" التي تعتبر شكلاً من أشكال الفساد للفخفاخ، ثم باشرت محاسبته ساعات طويلة في محاولة لإرباكه والحط من معنوياته والإيحاء بعدم قدرته على إدارة البلاد والحفاظ على المال العام. لكن رئيس الحكومة صمد، وناقض ما قيل في شأنه، ودافع عن نفسه باستماتة، ورفض الاستقالة، وتحدى المشككين في نزاهته، واستفاد كثيراً من انقسام خصومه. وعلى الرغم من خروجه من المعركة أضعف مما كان، غير أن الفخفاخ حافظ على حكومته بجميع مكوناتها ولم ينفرط عقدها، مع تمسك الأحزاب المشاركة في الائتلاف بمواصلة العمل معاً في انتظار التقرير الذي ستعده لجنة التحقيق البرلمانية التي تشكلت من مختلف الكتل، ورد المحكمة الإدارية على الشكوى التي قرر رفعها عدد من البرلمانيين الذين ينتمون إلى المعارضة. وغطت الجلسة الأخيرة على الأزمة الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي دخلتها تونس قبل تفشي وباء كورونا وتفاقمت، وسط عدم إمكانية أحد التكهن بتداعياتها.

بعد طيّ صفحة جلسة البرلمان، من المفترض أن يحاول الفخفاخ وضع حدٍ للجدل الذي أثير حول شركاته في أسرع وقت، وذلك بالشروع عملياً في مواجهة الملفات الاقتصادية والاجتماعية، حسبما أعلن في خطابه أمام البرلمان. وكشف الفخفاخ عن أن الحكومة بصدد الإعداد لمشروع تمليك خلال السنوات الخمس المقبلة سيستفيد منه نحو 300 ألف عائلة تقيم في منازل غير شرعية، شيّدتها على أراض تابعة للدولة. ويُعدّ القرار من أبرز القرارات الجريئة التي تأخرت كثيراً بسبب تردد الحكومات السابقة.

كما أن الخطوات التي ينوي الفخفاخ القيام بها من أجل القضاء على البطالة، والذي سيستفيد منه أكثر من مليون شاب وشابة، ستكون مناسبة لمرحلة ما بعد كورونا. وأهمية الخطوة تكمن في أنها ستُحدث تغييراً جوهرياً في البنية الاجتماعية، وهو ما من شأنه أن يخفف الضغط على جزء من الفقراء ويساهم في إنقاذ الطبقة الوسطى من التحلل والاندثار.

كما أن رغبة رئيس الحكومة حول خفض الاقتراض من الخارج، من شأنها إبعاد شبح الخضوع الكامل للدائنين وحماية الحد الأدنى من السيادة الوطنية. وبرز أيضاً في سياق الخطوات الإيجابية للفخفاخ، إبداء نيته الشروع بإصلاح المؤسسات العامة التي باتت في حالة عجز متواصل. وسيشكل ذلك بداية اشتباكه مع الاتحاد العام التونسي للشغل الذي اختلف مع جميع الحكومات السابقة حول كيفية إصلاح هذه المؤسسات، خشية من أن تنساق حكومة الفخفاخ نحو التفويت (بيع مؤسسات عامة للقطاع الخاص) في بعض المؤسسات ذات الطابع الاستراتيجي. مع العلم أن الوضع الراهن للمؤسسات العامة العاجزة، قد زاد الضغط على الميزانية وقد يدفع بها نحو الإفلاس، إذا لم تُتخذ الإجراءات الضرورية والعاجلة. وعملياً، انتقلت قيادة الاتحاد من مرحلة نقد الحكومة عبر رسائل ضمنية إلى لغة التهديد المباشر، مع إعلان الأمين العام نور الدين الطبوبي: "نحن قادمون إلى باردو (مقر البرلمان) لتعديل البوصلة، وسنختار التوقيت، فالدولة على حافة الإفلاس بسبب الخيارات الخاطئة"، مطمئناً قواعد الاتحاد: "سنخرج منتصرين بإرادتنا"، في إشارة منه إلى أن معركة ليّ الأذرع قد بدأت بين الحكومة والنقابات، وإن كانت الرغبة في الحوار بين الطرفين لا تزال طاغية بغية التغلب على الصعوبات التي تواجه الدولة.

ما تخشاه الحكومة حالياً هو اتساع رقعة حركات الاحتجاج الاجتماعي التي انطلقت من ولاية تطاوين، وتحديداً من منطقة الكامور التي لاحقت الرئيس قيس سعيّد في زيارته إلى باريس، يوم الاثنين الماضي، حين حاصره أبناؤها أمام القنصلية التونسية وتعاملوا معه بشكل غير لائق، وطالبوه بالوفاء بما تعهدت به حكومة يوسف الشاهد. ومع أن الحكومة قررت عقد جلسة، غداً الثلاثاء، لاتخاذ قرارات متعلقة بالوضع الاقتصادي ـ الاجتماعي، إلا أن الغضب مرشح للانتقال إلى ولايات ومناطق أخرى تعاني من البطالة والفقر والتهميش منذ سنوات. وتكفي الإشارة إلى توقف كامل لإنتاج الفوسفات نتيجة اعتصام العشرات في مواقع الإنتاج في مختلف المعتمديات. كما عادت أخيراً ظاهرة الاحتجاجات الليلية القادرة على استنزاف قوات الأمن وإرباكها.