توكُّل كرمان وممارسة المقموعين القمع

12 مايو 2020
الصورة
+ الخط -
لم يشرح كثيرون ممن عبّروا على مواقع التواصل الاجتماعي عن معارضتهم تعيين الناشطة اليمنية، توكُّل كرمان، في مجلس الحكماء لتحديد شكل محتوى "فيسبوك" و"إنستغرام"، سبب معارضتهم لها. أما من فعل فأرجع السبب إلى انتمائها إلى أحد الأحزاب الدينية القريبة من تنظيم الإخوان المسلمين (عضو في حزب التجمع اليمني للإصلاح سابقاً). وأظهر الجميع أنفسهم كأنهم يعيشون في ظل حكومات ديمقراطية، تسهر على كفالة حقهم في التعبير عن آرائهم بحرية، فوجدوا أن تعيين كرمان في المنصب يهدد حرياتهم في انتقاد حكوماتهم، وهم الذين يمكن أن يوضعوا في السجن، إذا ما طالبوا بتحسين مواصفات رغيف الخبز الذي يأكلونه ليصبح قابلاً للاستهلاك البشري.
لا يلام هؤلاء، فجميعهم عاشوا في ظل أنظمةٍ قمعيّةٍ سيطرت على البلدان العربية عقودا، وغيبت دور المؤسسات، حيث يضع الفرد المسيطر في هذه الدول القوانين والأنظمة على مقاسه، لتحدِّد للمواطنين طريقة عيشهم والآراء التي عليهم اعتناقها، ليعاقب المخالف الخارج عن شورهم بالموت، أو في أحسن الأحوال، بالسجن. ومن هنا، افترضوا أن منصتي فيسبوك وإنستغرام يتحكّم بهما أفرادٌ غير خاضعين لمؤسساتٍ تحدِّد عملهم. وافترضوا أنه ستكون لكرمان السلطة المطلقة لتفعل ما تشاء، من دون العودة إلى المؤسسات، فتقفل هذا الحساب وتجمِّد ذاك، ما يؤثر على حريتهم في التعبير التي تصونها حكومات بلدانهم.
وفي حين لم يسبق أن قوبل اختيار شخصيةٍ لشغل منصب دولي ما بردود الفعل هذه، مثلما قوبل اختيار كرمان لهذا المنصب من رواد وسائل التواصل الاجتماعي في بلدها وفي بلدان عربية أخرى، لم يقدِّم هؤلاء وقائع تؤيد منطقهم. ولكن ما اتضح أكثر هو انطلاق غالبية 
معارضي تعيينها هذا من انتمائها لحزب التجمع اليمني للإصلاح الذي وجدوه قريبا من جماعة الإخوان المسلمين. ولكن، وبغض النظر عن طبيعة هذه الجماعة وذاك الحزب، هل كانت هذه الإدانة ستخرج منهم لو أن إدارة "فيسبوك" اختارت شخصيةً مؤيدةً للجنرال المصري، عبد الفتاح السيسي، الذي وصل إلى السلطة عبر انقلابٍ عسكري؟ مؤكّد أن الشخصية المؤيدة للسيسي كانت ستسلك طريقها إلى موقعها في مجلس الحكماء المستجدِّ بسلاسةٍ، على الرغم من القمع المستمر الذي يمارسه رئيس نظامها منذ سبع سنواتٍ. النظام الذي كان من جديد ضحاياه المخرج الشاب، شادي حبش، الذي خرجَ قبل أيامٍ جثةً من أقبية السيسي العدوانية بسبب أغنيةٍ، من دون أن يكلف من تنادوا إلى تشكيل جبهة ضغط على "فيسبوك" لمنع تعيين كرمان أنفسهم إدانة جريمة السيسي، أو حتى الإشارة إليها في صفحاتهم.
عند التحاقها بعملها، سيكون لكرمان توصيفٌ وظيفيٌّ تزوّدها به إدارتها، يحدّد لها صلاحياتها وواجباتها وحقوقها. كما ستطَّلع على سياسة الشركة، فيسبوك وإنستغرام، لتلتزم بها في أدائها عملها، فلا تخرقها باتخاذ قرارات فردية تضرّ بسياسة الشركة ومصالحها وسمعتها. وهذا ما هو معمولٌ به لدى كل الشركات التجارية، وكل وسائل الإعلام، وغيرها من قطاعات العمل والنشاط الإنساني. وربما هذا ما لا يعرفه كثيرون تناولوا المرأة بالنقد والرفض، ودبَّجوا 
خطابات المناشدة لإدارة "فيسبوك" و"إنستغرام" للرجوع عن تعيينها. مع العلم أن هذا المجلس المخوَّل مراقبة محتوى المنصتين لمنع خطاب الكراهية لا يقتصر عليها، وسيكون هنالك من يأخذ بتقاريرها أو يرفضها.
ما دوافع هذه الهَبّة؟ ومم ينطلق المشاركون فيها وعلامَ يخافون؟ هل ثمّة مشروعٌ تنويريٌّ أو حداثويٌّ قد توضَّحت معالمه واكتملت عناصره، ولم يبقَ لهم سوى إعلان انطلاقه على أرض الواقع، وعلى شبكة الإنترنت وصفحات التواصل الاجتماعي، وسيكون وصول كرمان إلى هذا الموقع تهديداً ووأداً له؟ هل يتقبَّل أصحاب الهَبّة رأياً معارضاً لرأيهم، ولو كان من المشرب الفكري الذي ينهلون منه؟ ألم يكونوا جميعهم ضحية قمعٍ أثر عليهم، وأدخل بعضهم المعتقلات سنواتٍ، وأجبر آخرين على مغادرة أهلهم وبلادهم هرباً، وفي أحسن الأحوال أفقد بعضهم عمله وأسكت صوته؟ ألم تكن كرمان ضحية قمعٍ كما كانوا هم؟ ولماذا يصرّ المقموع على ممارسة قمعه على مقموع آخر، فلا يرى في مشروع المقموع الثاني سوى تهديدٍ لمشروع المقموع الأول، على الرغم من غياب المعارك الواضحة بينهما؟ لم نرَ أي مشروعٍ فكريٍّ يجمع من تداعى إلى معارضة كرمان، ليكون بديلاً عن مشروعها الفكري "الإخواني" الذي يخافون أن يطغى، ويكون مهدّداً لسرابهم الذي ستدقّه مطرقتها فور جلوسها على كرسي مكتبها في عملها الجديد، 
وهي التي ليست سوى موظفة من بين كُثر في المجلس المستجد.
مؤكّد أن إدارة "فيسبوك" اكتشفت أن توكُّل كرمان صارت موضوع إرهابٍ فكريٍّ طاولها من لحظة الإعلان عن تعيينها في منصبها الجديد. والإرهاب الفكري الذي وقع عليها هو ذاته الإرهاب الذي دفع هذه الإدارة إلى إيجاد المجلس لمنع ظهوره على صفحات فيسبوك وإنستغرام، وتأثيره على مشتركي الموقعين، فكيف الآن وقد طاول كرمان، حتى قبل أن تستلم مهامها. ويمكن ببساطة أن تلاحظ الإدارة حجم التنمُّر الذي طاول منسوبتهم على صفحات الموقع والمواقع الشبيهة، وهذا لن يدفع الإدارة إلى طردها، بل سيدفعها إلى التمسّك بها وتوفير الحماية لها، لأنها ستوقن أن تنمُّراً من هذا القبيل يمكن له أن ينقلب إلى تهديدٍ يطاول حياة الموظفة لديها.

دلالات