تكامل الطيور والمراعي

05 يوليو 2020
الصورة
الطيور من ركائز البيئة (Getty)

الرعي هو من أقدم الأنشطة البشرية. وفي أيامنا هذه يكثر الطلب على اللحوم لذلك عمد البعض إلى تربية الماشية من غنم وماعز وأبقار ضمن حظائر حيث يقدم لها العلف على مدار السنة من دون أن تخرج إلى المرعى، الأمر الذي يرفع كميتها؛ بينما اعتمد بعضهم الآخر على رعي ماشيته في البراري، الأمر الذي يرفع من نوعيتها وقيمتها وسعرها. هذا الرعي في البراري يتم إما عبر التنقل في البلد الواحد أو عبر الانتقال من بيئة في بلد ما إلى بيئة أخرى في البلد المقصود كمثل الانتقال في الصيف من بادية الشام والعراق إلى جبال لبنان، فيرعى الماعز أوراق النباتات المتفرقة بين الصخور على الارتفاعات العالية لكونه متسلقاً بامتياز، بينما ترعى الأغنام والأبقار على ارتفاعات متوسطة في البراري العشبية. 
وللأسف أن بعض حماة البيئة في لبنان وبعض البلاد العربية ظنوا أن رعي الماشية في المحميات ضار جداً وينبغي منعه، ولكنه تبين في ما بعد أن الرعي مفيد جداً للأنظمة البيئية والإنسان والتنوع البيولوجي أو الإحيائي ويقلل من حرائق الغابات. لن نتحدث هنا عن فائدة الرعي إلا من زاوية الطيور، أي من خلال علاقة الرعي بالطيور وبالعكس. ولكن لنقُل أولاً إن إدارة المراعي تهدف إلى استدامتها من خلال رعي الأراضي الرعوية بالمداورة وبالميزان، أي من دون إجحاف واستنزاف بحق الأراضي الرعوية. وعليه فإن قضم الأعشاب الطويلة من قبل الماشية يساهم في جلب الطيور التي تعشش على الأرض، لأن هذه الأخيرة بحاجة لأن ترى وتراقب من حولها وهي تجلس على البيض في أراض ذات أعشاب قصيرة قد تم جزها بأسنان المواشي. 
كذلك تحفل المراعي بأعشاب ذات بذور تحملها أنواع نباتية برية مثل الشوفان والقمح والذرة والدخن والشعير والحنطة السوداء والجاودار والذرة الرفيعة. هذه البذور تؤمن لأنواع الطيور التي تنتمي لآكلات الحبوب الغذاء الذي تبتغيه. ولكنها أيضاً تؤمن الغذاء لأنواع الفئران والأرانب البرية التي تتكاثر، أما الرعي فيكشفها أمام الطيور الجارحة التي تنقض عليها وتأكلها قبل أن تقضي على المرعى. ومن أهم صيادي الأرانب هو صقر الغزال (الحر) الذي أصبح مهدداً بالانقراض والعقبان، ومن أهم صيادي الفئران هي الصقور المتوسطة والصغيرة وطائر الصرد أو العضيض أو الجزار، وسمي كذلك لإنه يعلق الفأرة التي يصطادها على شوكة نباتية كما يفعل الجزار عندما يعلق لحم الخراف أو غيرها في الملحمة. أما في الليل فتفعل أنواع البوم فعل الصقور. ولولا قضم الأعشاب من قبل الماشية لما انكشفت الآفات ولما خلصتنا منها الطيور ولما وجدت الماشية، التي لا يتوقف الإنسان عن طلب لحومها، عشباً تأكله. ولأن الإنسان لا يرش الآفات الحشرية بالمبيدات في المراعي فإن الطيور آكلة الحشرات تقوم بمهمة القضاء على الحشرات، خاصة الضار منها. والمراعي هي مقصد لأنواع النسور من الطيور لأنها تقتات على ما ينفق من رؤوس الماشية وهي في البراري، وبذلك تنظف البيئة من الجيف ذوات الروائح الكريهة والحاملة في نفس الوقت للبكتيريا والجراثيم والفطريات. وفي المناطق الرعوية يكثر طائر "ملهي الرعيان" الذي يهرب قليلاً من أمام الراعي ولمسافة قصيرة كلما اقترب منه هذا الأخير، إلى درجة أن الراعي يظن أن باستطاعته الإمساك به فيحاول ذلك عدة مرات ويتلهى بهذه المحاولات عن القطيع. 

 


ولعل من أهم طيور المراعي الجرداء التي تجد فيها الماشية النباتات الورقية ذات القيمة الغذائية العالية بين الصخور هو طائر أبو بليق أو الأبلق وهو عصفور متعدد الأنواع بحجم الدوري ولكنه أرشق وذنبه أبيض عليه رسم حرف "T" أسود. هذا الطائر يعشق الماشية ويفرخ بالقرب من زرائبها، ذلك لأنه يستخدم صوفها من أجل فرش أرضية عشه على الأرض وجعل هذا الأخير مريحاً لصغاره. أما الماشية فتحب جيرته لها لأنه يخلصها من القراض الذي يلتصق بقوة بجسمها ويمص دمها، حيث يقوم أبو بليق بقتل القراض كي يوقف التصاقه بجسم الماشية ويتمكن من انتزاعه وتناوله أو أخذه إلى صغاره طعاماً. فالمراعي هي جهاز بيئي متكامل يدير نفسه بنفسه بكل اتزان إذا ابتعد الإنسان عن تخريب عناصره.
*اختصاصي في علم الطيور البريّة