ترامب يأمر وأوبك تنفذ

10 يونيو 2020
الصورة
مقر منظمة أوبك بالعاصمة النمساوية فيينا (Getty)
+ الخط -
في ما تم تصويره باعتباره نجاحاً مبهراً للسعودية في فرض شروطها وتحقيق الاستقرار بسوق النفط العالمية، أعلنت مجموعة دول "أوبك+" توصلها لاتفاق على تمديد خفض الإنتاج القياسي، الذي أقرته قبل فترة وكان يفترض أن ينتهي بنهاية يونيو/ حزيران الجاري، بأكثر من 9.5 ملايين برميل يومياً، لشهرٍ إضافي، وقررت المجموعة عقد اجتماعات شهرية لمراقبة التزام كل دولة بحصتها من الخفض، لضمان تحقيق التوازن بين العرض والطلب عند مستويات أسعار مرضية للمنتجين.

ورغم تواتر بعض الأخبار مع بداية الأسبوع عن تخلي المملكة عن قرار مد خفض الإنتاج حتى نهاية الشهر القادم، تشير التوقعات إلى تعرضها لضغوط قد تضطر معها للالتزام بقرار المد، لتعظيم الاستفادة مما تمت ملاحظته من إرهاصات عودة الانتعاش إلى الاقتصاد الأميركي والعالمي، وما يعنيه ذلك من انتعاش متوقع في الطلب على الذهب الأسود.

وبعدما انخفض سعر خام برنت خلال شهري مارس/ آذار وإبريل/ نيسان لأقل من 20 دولاراً للبرميل، بسبب انخفاض الطلب العالمي بعد جائحة كوفيد 19 كما الحرب النفطية على الأسعار بين السعودية وروسيا، نقلت وكالة رويترز تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لولي العهد السعودي بسحب القوات الأميركية من السعودية إذا لم تقم السعودية بقيادة أوبك+ بخفض الإنتاج ورفع الأسعار.

وبعد عقود من المصالح المتعارضة، كانت الولايات المتحدة تضغط فيها دائماً لخفض سعر السلعة الاستراتيجية الأولى في العالم، وتحاول أوبك اتباع السياسات التي ترفع أسعارها، انقلب الحال في عام 2020، لنجد أوبك تحاول تخفيض السعر، بينما تضغط الولايات المتحدة لرفعه لأكثر من 60 دولاراً للبرميل. وأكد ترامب، الذي تكبدت شركات النفط الصخري في بلاده خسائر ضخمة بعد انهيار الأسعار إلى ما دون الثلاثين دولارا، واضطر بعضها إلى تعطيل الإنتاج وإلغاء الخطط الاستثمارية، بينما أفلس البعض الآخر وخرج من السوق، أنه سيوقف تعاونه الاستراتيجي، الممتد لما يقرب من نصف قرن، مع السعودية إذا بقيت أسعار النفط عند مستوياتها المنخفضة.

ويدرك ترامب أن تلك الشركات ساهمت بصورة واضحة في أكبر انتعاش اقتصادي شهدته الولايات المتحدة في تاريخها خلال الأحد عشر عاماً الماضية، بما خلقته من وظائف، وما ساهمت به من إضافات للإنتاج في قطاعي الصناعة والطاقة، بالإضافة إلى أنها مكنت البلاد من الاستغناء عن استيراد النفط للمرة الأولى في تاريخها منذ اكتشافه وبدء الاعتماد عليه.

وبعد تهديد ترامب، أقرت المملكة والمجموعة اتفاقاً على أكبر خفض في الإنتاج، في الثاني عشر من إبريل/ نيسان الماضي، وهو الاتفاق الذي قامت بمده حتى نهاية يوليو/ تموز القادم. وفي حين أثنى ترامب على اتفاق إبريل فور الإعلان عن توقيعه، رحب دان برويلت، وزير الطاقة الأميركي، يوم السبت، باتفاق التمديد، نظراً لاضطرار الرئيس للاختفاء عن الأنظار بسبب اقتراب المحتجين من البيت الأبيض.

ويوم الجمعة، أنهى برميل النفط من خام برنت المعياري أسبوعه السادس على التوالي من الارتفاع، وصولاً إلى أكثر من 42 دولاراً للبرميل، أي أكثر من ضعف أقل سعر وصل إليه خلال شهر إبريل/ نيسان الماضي. وتحاول دول مجموعة أوبك+، بقيادة السعودية، دفع الأسواق لتحقيق عجز في المعروض من النفط، لتبدأ في تصريف ما يقرب من مليار برميل تم تخزينها خلال فترة انهيار الأسعار السابقة.

وعلى الرغم من أن مستويات الأسعار الحالية ربما لا تكون كافية لإعادة كامل النشاط لكل شركات صناعة النفط الصخري في الولايات المتحدة، التي تتجاوز كلفة الإنتاج لدى بعضها ثمانين دولاراً للبرميل، إلا أنها ستمنحها بعض الوقت الذي ربما تنجح خلاله في تخفيض كلفة الإنتاج واستئناف ولو جزء من إنفاقها الاستثماري الذي توقف تماماً منذ بداية الأزمة، قبل أكثر من شهرين.

وبينما يرى العديد من الخبراء أن الطريق أمام شركات النفط الصخري الأميركية لاستعادة نشاطها وتعويض خسائر الفترة الماضية ما زال طويلاً، وتتخلله بعض المصاعب، إلا أن الاتفاق الأخير لتحالف أوبك+ ربما يكون دافعاً لها للتوقف عن تطبيق سياسات خفض الإنفاق الاستثماري وتسريح العمالة، خاصةً إذا نجحت الدول أعضاء أوبك+ في تطبيق ما تم الاتفاق عليه بخفض الإنتاج، واستمرت الأسعار في الارتفاع التدريجي، على النحو الذي شهدناه خلال الأسابيع الستة الماضية.

ولا تتوقف أهمية شركات النفط الصخري عند مساهمتها في الاقتصاد الأميركي فحسب، وإنما تمتد لدور هام تلعبه في انتخابات الرئاسة الأميركية، التي يحين موعدها بعد أقل من خمسة أشهر. وبالإضافة إلى القوة التصويتية الكبيرة التي يمتلكها القطاع، من خلال 10 ملايين عامل (وأسرهم) يعملون فيه في الولايات المتحدة، تعد شركات النفط الصخري من أكبر المتبرعين لحملات ترامب الانتخابية بصفة خاصة، ولأعضاء الحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس بصفة عامة.

ورغم اتفاق دول أوبك+، هناك العديد من المؤشرات تضعف احتمالات التزام المجموعة بالتخفيضات المعلنة، من ناحية بسبب إغراء ارتفاع السعر الذي يصعب عادةً من خطوة الخفض الاختياري للإنتاج في بعض الدول، وبعضها في حاجة ماسة للأموال، مثل العراق ونيجيريا وأنغولا، ومن ناحية أخرى لأن شركات النفط الروسية، التي لا تعنيها في شيء الشركات الأميركية، ولا تطلب الحماية من الرئيس الأميركي، ترى أن الطلب يتحسن في الوقت الحالي بصورة متسارعة، ولا تجد نفسها ملزمة بالتخفيضات الحالية لمدة طويلة، لوجود التزام أهم لها، وهو الوفاء بطلبات عملائها بصورة مستمرة تمنعهم من التحول عنها.

فهل تنجح السعودية في قيادة أوبك+ لتحقيق الأهداف الأميركية في ما يخص سعر النفط؟ سؤال تتوقف الإجابة عنه على مدى استمرار احتياج المملكة للحماية العسكرية الأميركية، كما احتياجها لدولارات النفط التي انخفضت بشدة في الفترة الأخيرة، وهما أمران لا يتوقع الكثيرون أن نشهد لهما نهاية قريبة، إلا إذا خرجت الأمور عن السيطرة، لنشهد انهياراً جديداً للأسعار، وتزداد مالية المملكة تأزماً.

المساهمون