تدمر بيد النظام...انتصار إعلامي واستثمار سياسي وشكوك بالمحطات المقبلة

دمشق
ريان محمد
28 مارس 2016
+ الخط -
يسهل على من يتابع النبرة الاحتفالية للنظام السوري باستعادة السيطرة على مدينة تدمر في بادية حمص، ومحاولة استثمار التطور العسكري سياسياً، أن يتوقع المزيد من محاولة قول دمشق للعالم إن نظام الرئيس بشار الأسد مستعد، مجدداً، ليكون الوكيل الدولي والغربي لما يسمى الحرب العالمية على الإرهاب. تدمر التي استعادها النظام وحلفاؤه مدمّرة، كانت أصلاً مسرحاً، منذ شهر، للتفاهم السياسي الضمني للنظام مع الولايات المتحدة وبقية الأطراف الغربية في التحالف الدولي ضد "داعش"، فضلاً عن روسيا طبعاً، وإيران وحزب الله، وهو ما انعكس في الميدان، إذ لم يتحقق طرد "داعش" إلا بفضل الغطاء الجوي والغارات الماراثونية التي كانت مقاتلات التحالف الدولي أساسية فيها، بالإضافة إلى قوات روسية برية ومليشيات لبنانية وإيرانية وعراقية. وبعد تدمر، يمكن أن تكون الوجهة المقبلة نحو دير الزور والرقة، التي تعهّدت قيادة النظام بالتوجه إليهما، على وقع تصريحات للأسد ورموز نظامه، نقلها التلفزيون السوري، ومفادها أن استعادة تدمر يوم الأحد "توضح نجاح استراتيجية الجيش في الحرب على الإرهاب"، وذلك خلال لقاء للأسد مع وفد فرنسي نيابي يميني يزور دمشق داعماً النظام هناك. وبعد استعادة المدينة الأثرية التي يعود تاريخها إلى أكثر من ألفي عام، تبقى أمام جيش النظام بلدة العليانية على بعد 60 كيلومتر جنوباً لاستعادة البادية السورية بالكامل والتقدم نحو الحدود العراقية الخاضعة بالجزء الأكبر منها للتنظيم. 
الاستثمار السياسي للحدث في تدمر ظهرت مؤشراتها الأولى سريعاً، مع الاتصال الذي أجراه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمس الأحد بالأسد "مهنئاً" بحسب ما نقلته وكالة ريا نوفوستي عن المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف.
ونقلت وكالة "تاس" عن بيسكوف قوله "ثمن الأسد غالياً المساعدة التي قدمتها القوات الجوية الروسية وأوضح أن مثل هذا النجاح في استعادة تدمر كان مستحيلاً من دون مساعدة روسيا". كما نقلت "إنترفاكس" أن بوتين أبلغ الأسد بأن روسيا ستواصل مساعدة سورية في مكافحة الإرهاب، على حد تعبيره.

ويرجح أن تكون للحدث الميداني في تدمر ترجمة فورية، سياسياً، في أي جولة محادثات سياسية في جنيف أو غيرها، على اعتبار أن النظام سيحاول التمسك بورقة "إنجازاته" ضد "داعش" في مواجهة شعار الانتقال السياسي من دون الأسد، على وقع تسريب روسي عن موافقة أميركية إزاء موقف موسكو لناحية ضرورة تأجيل النقاش حول مصير الأسد في الانتقال السياسي.

اقرأ أيضاً: النظام يسيطر على مدينة تدمر.. و"داعش" ينسحب نحو السُخنة

وقالت "القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة" التابعة للنظام، في بيان لها، إن "إحكام السيطرة على مدينة تدمر دليل جديد على أن الجيش العربي السوري هو القوة الوحيدة الفاعلة والقادرة على مكافحة الإرهاب واجتثاثه"، حيث دأب النظام على تسويق هذه المقولة كرسالة للخارج. ورأت القيادة أن أهمية هذا الإنجاز تنبع من "الموقع الاستراتيجي المهم لمدينة تدمر التي تعد عقدة مواصلات رئيسة بين المنطقة الوسطى والجنوبية والشرقية والشمالية ومن المكانة التاريخية والسياحية للمدينة التي تشكل أقدم الحضارات الإنسانية التي عرفها التاريخ". وختم البيان باعتبار أن "السيطرة على مدينة تدمر تشكل قاعدة ارتكاز لتوسيع العمليات العسكرية التي تخوضها قواتنا المسلحة الباسلة ضد التنظيم الإرهابي على محاور واتجاهات عدة أبرزها دير الزور والرقة".

ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا"، عن مصدر عسكري (تابع للنظام) لم تسمّه، حديثه عن "مقتل مئات الإرهابيين بنيران الجيش ومجموعات الدفاع الشعبية خلال معارك تدمر التي بدأت في السابع من الشهر الجاري، بينما فر مئات آخرون باتجاه عمق البادية السورية"، في حين نقلت عن من سمّتها مصادر ميدانية أن عدد قتلى داعش بلغ 450 مقاتلا.

وذكر المصدر أن "الطيران الحربي السوري والروسي نفذ طلعات جوية مكثفة على فلول تنظيم داعش الفارة على محاور تدمر السخنة وتدمر المحطة الثالثة وتدمر توينان والرصافة الطبقة في الرقة. وكان النظام قد استنفر قواته بشكل كامل لمعركة تدمر، حيث أرسل إليها أعداداً كبيرة من مقاتليه وضباطه المعروفين، أمثال العقيد سهيل الحسن الملقب بـ"النمر"، حتى أن الأسد أرسل، يوم السبت، رئيس هيئة الأركان العامة للقوات النظامية العماد علي عبد الله أيوب، يرافقه عدد من ضباط القيادة العامة، حيث قام بجولة ميدانية تفقد خلالها وحدات الجيش والقوات المسلحة العاملة على اتجاه تدمر التي تعتبر السيطرة عليها أكبر تقدم يحققه معسكر النظام وحلفائه منذ التدخل الروسي في نهاية سبتمبر/ أيلول من العام الماضي.

وقال الناطق باسم "مركز حمص الإعلامي" محمد السباعي، في حديث مع "العربي الجديد"، إن "النظام استخدم خلال حملته على تدمر سياسة الأرض المحروقة، فخلال الأسبوع الماضي شن الطيران الحربي أكثر من 900 غارة، في حين شن يوم السبت 300 غارة، إضافة إلى قصف بمختلف الأسلحة الصاروخية والمدفعية". ولفت إلى أن "العمليات العسكرية ألحقت بكل من المدينة الأثرية والسكنية دماراً كبيراً يقدّر بنحو 40 في المئة، إضافة إلى وجود دمار جزئي في معظم المناطق المحيطة".

اقرأ أيضاً: شهر على هدنة سورية: سباق على قضم مناطق "داعش"

وكانت العديد من التقارير أفادت بأن المدينة الأثرية في تدمر تعرضت لعمليات نهب وتدمير ممنهجة، إنْ كان خلال انسحاب القوات النظامية منها قبل تسعة أشهر، أو من قبل التنظيم الذي فجّر خلال سيطرته على المدينة، العديد من الأوابد والمعالم التاريخية، وأبرزها قوس النصر والمدافن البرجية ومعبد بل ومعبد بعل شمين، إضافة إلى تخريب المتحف الوطني، ونقل الكثير من الآثار إلى أماكن مجهولة.

في المقابل، تحدث مدير عام الآثار والمتاحف الدكتور مأمون عبد الكريم، التابع للنظام، في تصريح صحافي، عن إمكانية إعادة بناء بعض الآثار التي تعرضت للتدمير في تدمر رغم وجود خسارات أبدية لا يمكن تعويضها في مكوّنات معمارية لبعض الآثار من ناحية الأصالة، مبيناً أن الخبراء في المديرية سيقومون خلال الأيام القادمة بزيارة ميدانية لمدينة تدمر لتقييم الأضرار كمرحلة أولى ثم القيام بأعمال إسعافية ووضع خطة استراتيجية تتم على عدة مراحل لترميم المباني، ومنها قلعة تدمر وغيرها، وإعادة بناء معبدي بل وبعل شمين، وقوس النصر والأبراج الجنائزية، حيث توجد وثائق ومخططات وصور تفصيلية لهذه الأماكن الأثرية.

اقرأ أيضاً: هل يُفشل مصير الأسد مفاوضات جنيف؟



وعن توجهات القوات النظامية عقب سيطرتها على تدمر ميدانياً، قال الناشط أبو مجاهد الشامي، من شبكة أخبار تدمر، لـ"العربي الجديد": "وصلت قوات النظام لما بعد تدمر بنحو 10 كيلومترات، مع وجود جيوب مقاومة لعناصر داعش في المدينة، وقوات النظام تتجه إلى المحطة الثالثة وحقل الهيل للغاز، أهم حقل بالمنطقة، والحقول المجاورة له، كما ستحاول قوات النظام السيطرة على معمل التوينان وآبار الغاز المحيطة به". وأوضح أن "استعادة الهيل وأرك والتوينان والمحطة الثالثة، ستتيح للنظام استعادة 35 في المئة من غاز سورية". ورأى أنه "بعد تدمر، لم يبق أمام القوات النظامية ما يعيقها جغرافياً للتقدم، فالأرض منبسطة وصولاً للطيبة بعد مدينة السخنة، في ظل الغطاء الجوي".

ويشكك ناشطون بإمكانية القوات النظامية الاحتفاظ بالمناطق الصحراوية جراء سيطرة التنظيم على الطرق الصحراوية، ما يمكّنه من توجيه ضربات سريعة لحواجز النظام، التي سيضطر النظام إلى نشرها على طول الطريق الدولي تدمر – دير الزور، لتأمين الحركة عليه.

من جانبه، قال الناشط الإعلامي خالد الحسيني، في حديث مع "العربي الجديد"، إن "سيطرة النظام على تدمر ستسمح له بالسيطرة على البادية من تدمر إلى الحدود الأردنية والعراقية إلى السويداء وريف دمشق جنوبا، في حيث تضمحل أحلام التنظيم بالوصول إلى القلمون الشرقي وريف دمشق والقنيطرة ودرعا في جنوب البلاد".

واستبعد الناشط أن "تسهم سيطرة النظام على تدمر، بفتح طريق الدير أو الوصول إلى الرقة، إذا لم يتلقّ دعماً كبيراً من روسيا والتحالف الدولي، فالمسافات التي تفصله عن مناطقه المحاصرة في مدينة دير الزور والرقة كبيرة، في حين يمتلك التنظيم العديد من الطرق الصحراوية ما يسهّل حركته"، لافتاً إلى أن النظام كان قبل أشهر يسيطر على تدمر وباقي المناطق ولم يستطع تحقيق أي تقدم في المناطق الشرقية".

ويرى متابعون أن إعادة السيطرة على تدمر تأتي ضمن التوافقات الروسية ــ الأميركية، والتي كشف عنها وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف، في وقت سابق من الشهر الجاري، عن وجود تقاسم عملياتي بينهما حيث تعمل روسيا للسيطرة على تدمر في حين تعمل أميركا للسيطرة على الرقة، المعقل الرئيسي لـ"داعش" في سورية، في حين لم يتضح ما إذا كانت فصائل المعارضة ستكون هي القوة الموجودة على الأرض في الرقة، مقابل وجود القوات النظامية والمليشيات الموالية في تدمر.

ويلفت هؤلاء إلى أن "الضجة الإعلامية" المرافقة لاستعادة تدمر، التي تخلى النظام عنها في مايو/ أيار الماضي، في معركة شككت الكثير من الأوساط بجديتها، وسط اتهامات للنظام بتسليم المدينة لـ"داعش" تاركا العشرات من عناصره ليلقوا حتفهم على يد التنظيم، تأتي في وقت ترشح فيه المزيد من التوافقات الأميركية ــ الروسية، لفرض حل للأزمة السورية، وهو وقت يحتاج فيه النظام إلى إبراز دوره كشريك فاعل في محاربة التنظيم الذي باتت تُختزل محاربة الإرهاب في قتاله.

ذات صلة

الصورة
إلدب: وقفة في ذكرى مجزرة دير بعلبة (العربي الجديد)

سياسة

نظم ناشطون، مساء اليوم الأحد، وقفة وسط ساحة السبع بحرات في مدينة إدلب شمالي غرب سورية، للتذكير بواحدة من أبشع المجازر التي ارتكبها جيش النظام السوري.
الصورة
وقفة في إدلب بذكرى مجزرة الكيميائي في دوما (فيسبوك)

سياسة

نظم عشرات المدنيين وقفة تضامنية وسط مدينة إدلب، في الساعة السابعة مساء اليوم الأربعاء، مع ذوي ضحايا مجزرة الكيميائي في مدينة دوما في الغوطة الشرقية بمحافظة ريف دمشق، التي ارتكبت فجر 7 إبريل/ نيسان 2018.
الصورة
وقفة في إدلب في ذكرى مجزرة خان شيخون (العربي الجديد)

سياسة

نظم عشرات الناشطين والمدنيين، اليوم الأحد، وقفة احتجاجية وسط مدينة إدلب، شمالي غرب سورية، في الذكرى الرابعة لمجزرة الكيميائي التي شهدتها مدينة خان شيخون لتذكير العالم بالمجزرة التي ارتكبها النظام السوري بحق المدنيين.
الصورة
احتفالات (العربي الجديد)

مجتمع

احتفل الآشوريون والسريان في سورية، أمس الخميس، بواحد من أقدم الأعياد التي عرفتها البشرية، وهو عيد "أكيتو"، الذي يصادف مطلع شهر إبريل/ نيسان الذي يُعرف بشهر السعادة.

المساهمون