تأهب في العراق: الانسحاب الأميركي غير وارد حالياً

08 يناير 2020
الصورة
وصل 700 جندي أميركي لحماية السفارة في بغداد(فرانس برس)


لا تزال تداعيات تصفية قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، تفرض نفسها على المشهد السياسي والعسكري في العراق، جراء حالة الاستنفار التي تعيشها مختلف الأطراف العراقية، تحديداً فصائل الحشد الشعبي الموالية لطهران من جهة، وقوات التحالف الدولي العاملة في العراق، وفي مقدمتها القوات الأميركية من جهة ثانية، تحسباً لاحتمالات أن يكون الرد الإيراني على اغتيال سليماني من العراق، وإن كان هذا الأمر مستبعداً، أقله في الوقت الراهن، لاعتبارات عدة. وعلى الرغم من ذلك ودعوات التهدئة التي توالت من أكثر من دولة، بدت حالة الاستنفار في أوجها، خصوصاً مع إعلان مسؤول في حلف شمال الأطلسي عن بدء نقل بعض أفراده من العراق لمخاوف أمنية، وهي الخطوة نفسها التي قامت بها ألمانيا، إذ نقلت 35 جنديا يعملون في العراق إلى الأردن، فيما قالت وزيرة الدفاع الألمانية آنيغريت كرامب-كارنباور ووزير الخارجية هايكو ماس في رسالة لنواب البرلمان إن القوات الموجودة في قواعد عراقية بمدينتي بغداد والتاجي "سيتم نقل عناصرها مؤقتا". وأكد الوزيران أن المحادثات مع الحكومة العراقية بشأن استمرار مهمة تدريب القوات العراقية ستستمر. أما في بريطانيا، فأكد وزير الدفاع بن ولاس أنه "إذا طلب العراقيون منا مغادرة البلاد فسنحترم ذلك"، مشيراً إلى أنه "جرى نقل الأفراد غير الأساسيين من ​بغداد​ إلى مواقع أخرى".

في مقابل ذلك، أكد مصدر حكومي فرنسي، رفض الكشف عن اسمه لوكالة فرانس برس، أن فرنسا لا تعتزم سحب جنودها المنتشرين حالياً في العراق لتنفيذ مهمات تدريب. وتنشر فرنسا، العضو في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الاسلامية بقيادة الولايات المتحدة، نحو مئتي عسكري في العراق، بينهم 160 يتولون تدريب الجيش العراقي، وفق هيئة الأركان.

وفيما يميل مسؤولون عراقيون، وحتى غربيون، إلى عدم استبعاد فرضية حدوث انسحاب مفاجئ للقوات الأميركية من العراق، فضلاً عن قوات من جنسيات غربية أخرى، موجودة أصلاً لغرض التدريب والدعم منذ عام 2014 بمناطق شمالي وغربي العراق، يعتمد هؤلاء على رغبة معلنة سابقاً للرئيس الأميركي دونالد ترامب، حول ضرورة إعادة القوات الأميركية في الشرق الأوسط إلى بلادها، ووقف هدر موازنات مالية ضخمة على الإنفاق العسكري في تلك المنطقة.

مع ذلك فإن الوقائع الميدانية لا تشي بذلك، إذ كشفت مصادر رفيعة في قيادة العمليات العراقية المشتركة لـ"العربي الجديد"، بأن القوات الأميركية أحاطت بغداد في الساعات الـ24 الماضية بوحدات هجومية قادرة على الرد السريع على أي اعتداء أو هجوم تتعرض له المنشآت الأميركية، وأبرزها السفارة في بغداد والقواعد العسكرية العراقية التي تستضيف أميركيين، فضلاً عن مقرات شركات نفط أميركية، باشر بعضها، منذ أمس الثلاثاء، نقل موظفيها إلى مقرات إقليمية لتلك الشركات في الإمارات واليونان. كما أكد خبير أمني عراقي أن مسودة الوثيقة الأميركية التي انتشرت مساء الاثنين بشأن إعادة تمركز وتموضع الأميركية، والتي فهم منها أنها تعكس قراراً أميركياً بالانسحاب من العراق قبل أن ينفي وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر مثل هذا الخيار، هي جزء من عملية نقل قوات توجد داخل المنطقة الخضراء، لكن تسريب المذكرة جاء من قبل أطراف داخل قيادة العمليات كان محاولة منها لإثبات ولائها، بعد اتهامات تخوين وجهت لها من قبل "كتائب حزب الله" العراقي.



وأكد جنرال عراقي من بغداد لـ"العربي الجديد" أن الجيش الأميركي أعاد انتشاره في العراق خلال اليومين الماضيين، خصوصاً حول بغداد، مشيراً إلى أنه تمّ إجلاء المتعاقدين والعناصر غير القتاليين في معسكر المطار والتاجي، ووضعهم في قواعد في إقليم كردستان العراق. في المقابل، انتشرت وحدات قتالية خاصة في أربع قواعد محيطة ببغداد، هي التاجي وبسماية والمزرعة والمطار. ومهمة هذه القوات هجومية ومخصصة للردّ على أي اعتداء بوقت قياسي قد تتعرض له المصالح الأميركية في بغداد أو خارجها. ووفقاً للجنرال، فإن رئيس أركان الجيش الفريق عثمان الغانمي حذّر الحكومة من أن الأميركيين جادّون في الرد على أي هجوم يتعرضون له.

من جانبه، أفاد مصدر في الأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي بأن "عديد الجنود الأميركيين في العراق ازداد بضع مئات في الأيام الثلاثة الماضية"، مشيراً إلى أن "واشنطن أبلغت حكومة عادل عبد المهدي بذلك، معلنة أنها قامت بذلك من أجل حماية القوات والمستشارين الأميركيين، فضلاً عن السفارة في المنطقة الخضراء ببغداد". بدوره، كشف الخبير الأمني هشام الهاشمي لـ"العربي الجديد" أن عمليات التنقل والتموضع التي أجرتها واشنطن أخيراً أحاطت بغداد بشكل كامل من التاجي والحبانية وبسامية والمزرعة، وغطت بالتالي كل مساحة بغداد. وأضاف "أظنّ أن الولايات المتحدة سوف تردّ على أي عملية ضدها بقوة". وشرح أن القوات الخاصة بالفرقة 82 الأميركية المجوقلة، وجزءاً من قوات العمليات الأحادية الأميركية موجودة حول بغداد، ويمكن اعتبارها قوات رد فعل سريع، ويستدلّ على ذلك من الأسلحة والمروحيات القتالية الموجودة. وأضاف: "أكد لي مسؤولون أن الأسلحة خفيفة الحركة والمعدات تستخدم في عمليات إنزال واغتيالات".

وفيما كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد هدّد بفرض عقوبات على العراق، كشف الهاشمي أن العقوبات الأميركية قد بدأت فعلاً، فالتسليح المتعلق بالقوات العراقية الخاصة، سواء بالذخيرة والأعتدة الخاصة بها، لم يصل هذا الشهر. كما أن مشغّلي سرب طائرات "أف 16" العراقية الأميركيين غادروا قاعدة بلد الجوية باتجاه قاعدة التاجي، مضيفاً: "لا أظن أن الكادر العراقي قادر على الاستمرار في تشغيل طائرات أف 16 أو إدامة عملها". واعتبر أن الأمر يشمل أيضاً دبابات "أبرامز" الأميركية التي ستتحوّل إلى المخازن، في حال توقفت الولايات المتحدة عن تزويد العراق بالذخيرة الخاصة بها.

وحول الارتباك الذي حصل مساء الاثنين ـ الثلاثاء، مع تسرّب وثيقة أميركية بشأن إعادة تمركز وتموضع، قال إن "ما حصل هو أن القيادة المشتركة العراقية، المتمثلة بأعلى قيادتها العسكرية، باتت متهمة من قبل كتائب حزب الله بأنها عميلة للأميركيين، وحاولت أن تثبت ولاءها لمحور المقاومة. بالتالي عندما ظهرت هكذا رسالة، وهي رسالة ليست للنشر، أخرجتها وسرّبتها لقيادات بمحور المقاومة حتى تبرر موقفها، وهو خطأ عراقي. أما الوثيقة ذاتها، فهي أشبه بالسياقات الروتينية، وتكاد تكون أسبوعية في التنقلات من مكان إلى آخر، وهي تخصّ 120 جندياً من مشاة البحرية الأميركية، موجودين منذ حصار السفارة الأميركية فيها، والآن تم نقلهم. وكانت هناك خشية أميركية من وجود عناصر مسلّحة قد تطلق النار على المروحيات المخصصة لعمليات النقل".

من جانبه، كشف عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان كريم المحمداوي، في اتصال مع "العربي الجديد"، أن "التحركات العسكرية الأميركية، بما فيها الطائرات، ازدادت في اليومين الماضيين داخل المنطقة الخضراء في بغداد، وكذلك في قاعدتي التاجي وعين الأسد في الأنبار، ولا يوجد مبرر لها. ولدينا تخوّف شديد من هذه التحركات التي نجدها تنطوي على شيء آخر". وأبدى اعتقاده بأن التحركات "تأتي ضمن الاستعدادات للردّ على أي هجوم إيراني أو من قبل الفصائل العراقية. وعلى الحكومة العراقية التصدي لهذه التحركات ووضع حداً لها، لكونها تجرى من دون علم وموافقة بغداد، إذ ليس هناك أي اتفاق علني أو سري بشأن التحركات الأميركية الأخيرة".



وأضاف المحمداوي أن "البرلمان اتخذ قراراً، وهذا القرار ملزم للجميع، وعلى الإدارة الأميركية إخراج قواتها والقوات المتحالفة معها من العراق، لكن هذا التحركات الأميركية العسكرية والطيران المكثف يدلّان على أن هناك نية لضرب فصائل عراقية". وحذّر من أن "التحركات خطيرة، لأن هناك مخاوف مع دخول 700 جندي أميركي جديد إلى العراق، توزعوا في السفارة الأميركية، وفي قاعدتي التاجي وعين الأسد".

في المقابل استولد تصويت البرلمان الأخير بشأن إلزام الحكومة إخراج القوات الأجنبية من البلاد، حالة من التجاذب السياسي والخوف مما يوصف بـ"التبعات الخطيرة" التي سيتعرض لها العراق. ولم يصوّت غالبية النواب العرب السنة والأكراد ونواب الأقليات، أبرزها المسيحية والتركمانية، على قرارات ترحيل القوات الأجنبية، لأسباب شرحها القيادي في "جبهة الإنقاذ والتنمية" أثيل النجيفي، قائلاً لـ"العربي الجديد" إن "السنة والأكراد يرفضون خروج القوات الأميركية، لأنهم يدركون بأن العراق سيتم تسليمه كلياً إلى إيران والفصائل التابعة لها، وستكون اليد الطولى لها، والخوف من أن يتحول العراق إلى بلد تابع لإيران كلياً".

ولفت إلى أن "هناك انعدام ثقة بالجيش العراقي، لعدم امتلاكه القوة الكافية لمحاربة الجماعات الإرهابية، فضلاً عن ضعف القوات النظامية أمام المليشيات المرتبطة بإيران. بالتالي لا بدّ من بقاء قوات التحالف لتدرب الجيش العراقي، حتى يصبح قادراً على مواجهة كل التحديات المستقبلية". وأشار النجيفي إلى أن "أميركا التي خسرت مليارات الدولارات ومئات الجنود وأسقطت نظام صدام حسين، لن تتخلى عن العراق بسهولة، خصوصاً أنه يعتبر نقطة استراتيجية مهمة بالنسبة لها. وفي حال أُجبرت على الخروج، فإن المحافظات السنية ستكون أكثر المحافظات المتضررة من التنظيمات المتطرفة والفصائل الموالية لإيران أيضاً".

وكشف رئيس كتلة "بشائر الخير" البرلمانية محمد الخالدي، لـ"العربي الجديد"، أن "هناك حراكاً برلمانياً بين بعض الكتل، من بينها الكتل الكردية، للطعن بقرار البرلمان حول إخراج القوات الأجنبية والجلسة البرلمانية التي اتخذ فيها قرار الإخراج". وأضاف أن "القرارات والقوانين التي تخص الاتفاقات الاستراتيجية لا يمكن تمريرها إلا بنسبة ثلثي أعضاء البرلمان، ولا يمكن حتى نسبة النصف زائد واحداً، وأن جلسة اتخاذ القرار لم يحضرها سوى 145 نائباً فقط، وهم أقل من النصف". وأشار إلى أن كتلته "من ضمن الكتل المؤيدة للطعن بالقانون". وأكد الخالدي أن "القرار يعتبر غير ملزم، بسبب عدم تحقيق النصاب أولاً، وكونه ينطوي على مخاطر كبيرة على البلاد"، معبّراً عن تفاؤله بـ"عدم تنفيذ القانون، وأن الضغط الإيراني لن يجدي نفعاً بتمريره".

الجانب الكردي الرافض للقرار، يؤكد أن القرار لم يحصل على التأييد إلا من قبل الذين حضروا الجلسة وهتفوا لقائد "فيلق القدس" قاسم سليماني. في هذا الإطار، قال مستشار زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، كفاح محمود، إن "لا أحد غير الذين شاهدناهم بجلسة البرلمان الذين كانوا يحملون صور سليماني يريد خروج القوات الأجنبية من العراق". وذكر في تصريح صحافي أن "معظم العراقيين يرفضون خروج القوات في هذا الوقت، لأن ذلك سيحدث فراغاً كبيراً في العراق، وسيضمن للطرف الثاني انتصاره. بالتالي يكون المشهد أكثر تعقيداً". ورأى أن "هناك استياء من النفوذ الإيراني في العراق، حتى في الأوساط الشيعية، وأن التظاهرات الشعبية تريد إنهاء هذا النفوذ ورددت شعارات ضد إيران".
(شارك في التقرير من بغداد عادل النواب)