باكو إِبانيث.. صوت الشعراء

29 أكتوبر 2017
الصورة
(باكو إِبانيث)
+ الخط -
على مسرح ألكالا (القلعة) عام 1991، وقف باكو إبانيث (بلنسية، 1936) بجانب رافائيل ألبرتي (1902 -1999) الممثّل الأخير لشعراء "جيل 27"، وصديق غارثيا لوركا، وأنشد الاثنان معاً قصيدة ألبرتي "غالوبار" (أو خبب الخيل). حضور تاريخي كان فريداً من نوعه، وغير قابلٍ للنسيان. مُغنٍّ وشاعر، مثّلا في تلك الليلة المدريدية المشهودة، الآلافَ والآلافَ من الأرواح، من جميع الأجيال. أولئك الناس الذين قاتلوا، الذين قدّموا كل شيء، الذين ضحّوا بكل شيء من أجل أفكارهم وكرامتهم.

لا تزال "غالوبار" في الذاكرة الإسبانية واللاتينية رمزاً للنضال ضد فرانكو، ورمزاً لمقاومةِ جميع طغاة العالم. تلك الليلة قد لا تشبهها إلا ليلة أخرى خصصها إبانيث عام 2002، للشاعر خوسيه غويتيسولو (الأخ الأكبر للروائي خوان) بعد رحيله بوقت قصير، في "بالاو دي موسيكا" (قصر الموسيقى) ببرشلونة، حيث كان المسرح الكبير كامل العدد، مع ملاحظة أن هذا القصر البديع أسسته البروليتاريا البرشلونية، مطلع القرن الفائت، بجمع التبرعات من العمّال، كي يكون منافساً ومقابلاً لمسرح الليسيو التاريخي الواقع في شارع الرمبلا، والذي بنته البرجوازية الكتالانية خصيصاً لفنون الأوبرا، مزهوةً بأنه مسرح الأوبرا الأكبر في المملكة.

الآن، وهو يحثّ خطاه نحو عقده التاسع، لم يسأم باكو إبانيث ولم يستسلم. ما يزال كما ظهر أول مرة قبل واحدٍ وستين عاماً، حين ألهمته فتاة فقيرة من الأندلس، أولى أغانيه بالمنفى الباريسي: "أجمل فتاة". سارق نار الغناء الأبدية، من أولمبها السرّي، بات نادر الظهور في العقد الأخير، بحكم السن. ولكنه يظهر حيث يجب أن يظهر: في مكانه وزمانه اللائقَين بمسيرة فنية حافلة وبتاريخٍ طويل من العذوبة والالتزام. في حنجرته الدافئة، وكذا في ملامحه، يتجلّى شجن إسبانيا كلّه. إنه يصنع من كلمات منتقاة ولحن بسيط، ما يجعل الفن سحراً.

عبقرية باكو تكمن في اختياره للكلمات وفي إحساسه الرفيع بها. هو الذي لم يُعرف عنه أنه كتبَ كلماته الخاصة يوماً، بل اعتمد تماماً على الشعر المحفوظ في كتب. إنه بالمقياس العربي مؤدٍّ لا مطرب. ضعف خامته الصوتية وتلك البحّة هما امتيازه الفارق. وهو في هذا على غرار عبدالحليم حافظ، مع افتراق الغايات.

اضطهدَ فرانكو أباه النقابي الأناركي، فهاجرت الأسرة بأطفالها الخمسة إلى فرنسا عام 1952، ملتحقة بقوافل الجمهوريين الفارّين. كانت باريس التي لجأوا إليها بعد مهانة معسكرات العمل (وعُرف باكو في شوارعها وسوربونها بلقب "مغني المتمردين" خلال انتفاضة الطلبة في الستينيات)، هي فاتحة المنافي فقط.

بعدها هاجرَ إبانيث إلى منافٍ شتى، أغلبها في القارة اللاتينية. وحين مات الدكتاتور الذي حظر أغانيه مرة أخرى سنتَين قبل وفاته، رجَعَ المغني إلى أرض طفولته ليسترجع فيها "ومضات من الحرب الأهلية"، فاختار برشلونة مكاناً للإقامة منذ نحو ربع قرن. مُنحت له أكثر من جائزة مهمة، من جهات محترمة، ودائماً ما كان يرفض تسلّمها، متعللاً بالقول "إن المرء، مع أول تنازل، يفقد بعضاً من استقلاله، ثم تكرّ السبحة".

كان آخر ظهور له، قبل أقل من عام، في تظاهرة برشلونة الكبرى لتعضيد اللاجئين. لم يُطل الوقوف: دقائق فحسب. أدّى أغنيته وانسحب مسرعاً، وسط تصفيق هائل من جمهور أصرّ على الوقوف دقائق طويلة احتراماً وتبجيلاً لكل ما يعينه الرجل في الذاكرة، والمسيرة الإسبانية. مسيرة لم يخذل فيها باكو "الإنسانَ المضطهد والمُكمّم"، أينما كان، أبداً.

هو الذي خلّد قصائد الشعراء الذين غنى لهم، فأضفى بصوته وموسيقاه بُعداً جديداً غير معروف إلى "الرسائل" المطوية في تلك القصائد. حتى وصل الأمر بنيرودا، قبل نحو نصف قرن في العاصمة الفرنسية، إلى أن يلاحقه ليغني له. وفقط عام 1978 سجّل باكو إسطوانة جديدة كرّسَ نصفها لصاحب نوبل.

هذا هو باكو أو "صوت إسبانيا الحر"، مثلما يُلقّب هنا. يعيش، منذ فترة طويلة، معتكفاً في بيته.
نتذكره الآن ونتذكر وقوفه مع القضايا الخاسرة في العالم. إنه الماركسي، الأناركي والوجودي، في خليط متناغم ومدهش.
نتذكره مع فلسطين التي لطالما حضرت معه، لا كاستعارة كونية لغياب العدل، بل كواقع يجب أن يتغيّر بكل الطرق.

يا عزيزي الترابادور:
كاتب هذه السطور يحاول منذ عامين إجراء حوار معك، لتفصح عن خبايا وتفاصيل لا تفصح عنهما الـ"ويكيبيديا" باختصارها المخلّ. وكل مرة يؤجَّل المسعى إما لأن من يسألهم لا يعرفون عنوانك، أو لأن "الظرف غير مناسب".

الآن، وقد تناهى إلى الأسماع أنك في أزمة صحية، نتمنى لك الشفاء، لتعود فتشدو أغانيك بمرافقة قيثارتك العتيدة. هناك، حيث تطفو الأغاني على ثبج الليل، فتطفو روحك على أرض الغروب المشرقة.

أنت يا من أدخلت كبار الشعراء إلى ذائقة البسطاء والـ"غلابا"، وأعطيت لكلٍّ منهم لهجةً وأسلوباً يتطابقان معه، رغم ختْمك اللا ملتبس على الجميع. كم هو مدينٌ شعر لغتك للانتشار وللحياة الجديدة التي أعطيتها له. فكنت بذلك، رمزاً لمقاومة ثقافية، لا تنحني ولا تساير، رغم مرور عقود من أهوال الزمن.

ضربة الأغنية القشتالية

هذا البلنسي المولد (1936) برشلوني النشأة، ظل مغنياً لنخبة الشعراء الإسبان واللاتينيين، من غونغورا إلى لوركا وألبرتي (الصورة؛ غلاف ألبومهما المشترك) فميغيل إرنانديث فمتشادو، فلويس ثيرنودا وصولاً إلى كلمات جورج براسِنس الذي جذبه إلى الغناء ويعتبره أستاذه.

عام 1964 أصدر أسطوانته الأولى في فرنسا، فأصبحت هذه، كما أجمع النقاد: "ضربة كاملة في سياق الأغنية القشتالية".

المساهمون