الهوية العربية وخطر التقسيم

18 مايو 2015
الصورة
في زمن الحروب الأهلية المتنقلة، يبدو الحديث عن الوحدة العربية مثيراً للتندر والسخرية، فالمشاريع السياسية القائمة تُسهم في تهديد وجود الدولة القُطرية نفسها، ما يجعل حديث التقسيم يأخذ حيزاً كبيراً من النقاشات السياسية العربية، ويصبح الأقرب إلى الوقائع التي نشهدها في الوطن العربي. ينشأ خطر التقسيم من تآكل شرعية الدولة الوطنية، وانهيارها في أكثر من بقعة عربية، ويتفاقم هذا الخطر، مع صراعات الهوية، واستدعاء التدخلات الخارجية، لكن السؤال الذي يتبادر إلى أذهان كثيرين: هل يمكن أن يحصل التقسيم فعلاً؟

استمرار الأوضاع الحالية، ووجود مشاريع سياسية تحمل راياتٍ طائفية، أو توظف الطائفية لتحقيق مصالحها السياسية، ووجود جماعاتٍ تُسيِّس الانتماءات الأولية، وتحولها إلى هويات سياسية، وتخوض صراعات هوية مع أطرافٍ أخرى، لا يُنبئ بغير التقسيم العملي، وإن لم يتحول إلى واقعٍ رسمي، فمثلاً، لا يزال التعامل الرسمي والشكلي، إقليمياً ودولياً، مع العراق، يتم على اعتبار أنه دولة واحدة، وفق الخريطة المعروفة، لكن الواقع العملي يقول إن هناك تقسيماً حدده الأميركيون في صيغة العملية السياسية العراقية، يوزّع الشعب العراقي بين سنة وشيعة وأكراد (طبعاً نلاحظ الخلطة الغريبة بين تقسيم مذهبي وقومي)، وهذا التقسيم يسري في التعاطي السياسي والإعلامي مع القضية العراقية، كما يظهر في الحديث عن مناطق السنة، ومناطق الشيعة، والمناطق الكردية، أو في الدعوة إلى تحرير السنة مناطقهم، والشيعة مناطقهم، ما يعني أن التقسيم هو الأمر العملي، بغض النظر عن الوحدة الشكلية الباقية.

لكن التقسيم العملي هذا لم يُنجز بشكل نهائي، فلا زال الصراع قائماً على ترسيم الحدود الجغرافية والديموغرافية بالدم، ويتضح هذا في المعارك الدائرة، وتقدم قوةٍ ما وتقهقهر أخرى، وعمليات التهجير والقتل على الهوية، ومحاولات الإبادة التي تقوم بها بعض الأطراف. وفي المحصلة، يستمر الصراع، حتى مع توقف العمليات العسكرية، إذ ينتقل إلى العملية السياسية، القائمة على محاصصات طائفية وإثنية، تعيد رسم الحدود، ضمن اللعبة السياسية، وتُقسِّم مؤسسات الدولة، أو بالأحرى، ما تبقى منها، بين الأطراف المتنازعة. لذلك، لا يهم كثيراً ما إذا كانت الدولة العراقية، مثلاً، باقية اسماً أو عنواناً، لأنها، في الحقيقة، مقسمة بين جماعات أهلية متنازعة وسياسيين يمثلون هذه الجماعات الأهلية، ولا يمثلون، أو يتنافسون على تمثيل الجماعة الوطنية العراقية.
هذا يجعلنا نعيد تعريف الوحدة العربية، لتتناسب مع الوضع القائم، فالمطلوب اليوم ليس وحدةً اندماجية، ولا حتى اتحاداً عربياً، فهذا أمر بعيد حالياً، ولو أنه يبقى مطروحاً على المستوى النظري، ولا يجب اليأس منه، إنما حين نتحدث عن تفعيل فكرة الوحدة العربية، ضمن الأوضاع العربية الحالية، لا يمكننا تجاوز انهيار الدولة العربية القُطرية، ما يعني أن هذه الوحدة العربية تتحول إلى عامل يُساهم في إعادة بناء شرعية جديدة للدولة القُطرية، في الوطن العربي، لتكون قادرة على منع التقسيم، الذي يُحدثه تفعيل الهويات الأولية، في المجال السياسي العربي. وهنا، يتحول دور العروبيين إلى التنظير لتماسك الدولة القُطرية، أولاً، ورفض انهيارها الشامل، وإعادة بنائها وفق شرعية جديدة، تقوم على هوية جديدة جامعة، هي الهوية العربية، وعلى مبدأ المواطنة، وبناء مؤسسات الدولة، والسير في عملية التحديث، سياسياً واقتصادياً، وإنهاء مظاهر الاستبداد والفساد.

ليست الدعوة إلى الهوية العربية محاولةً للتضاد مع الهوية الوطنية، بل على العكس تماماً، فطرح الهوية العربية هو محاولة لتعبئة الهوية الوطنية بالمعنى. لذلك، يشدد هذا الطرح العروبي، الساعي إلى بناء شرعية جديدة للدولة القُطرية، على أهمية الهوية العربية داخل الدولة القُطرية، لمعالجة أزمة الهوية التي تعاني منها. ما يعني أن الرابطة الوطنية هي نفسها الرابطة العربية في هذا الطرح، نظراً للفراغ الذي تعاني منه الهويات القُطرية، والذي تملأه الهوية العربية بالثقافة والتاريخ المشترك.

الهوية العربية في هذا الطرح هوية "نحيلة"، بتعبير الفيلسوف الكندي، ويل كيملكا، أي أنها لا تفرض قيماً أو أنماط معيشة محددة، لكنها فقط تعمل من خلال اللغة والثقافة والتاريخ المشترك، على إيجاد تضامن اجتماعي، ووحدة وطنية، داخل حدود الدولة القُطرية العربية. ويمكن البناء على هذا الأمر لاحقاً، لتحقيق تكامل عربي سياسي واقتصادي وعسكري وأمني، يمثل مصالح الشعوب العربية، لا مصالح نخبٍ حاكمة.

تعبئة الوطنيات في البلدان العربية بالمعنى العربي، لا يعني تجاهل حقوق الأكراد الثقافية، مثلاً، ولا ينفي ضرورة تفعيل مبدأ المواطنة، بوصفها عضويةً في الدولة ومؤسساتها، لكل المواطنين، ولا يغني عن العمل على بناء مؤسسات الدولة التي ترسخ وتبقى، ولا ترتبط عضوياً بشخص أو سلطةٍ ما. وهذا يعني، فيما يعني، إنهاء الاستبداد واحتكار الثروة من أقلية متسلطة، والذي كان من عوامل الانهيار في الدولة العربية.

إذا لم يوجد من يحمل هذه الرؤية للوحدة العربية، بصيغتها المتناسبة مع الواقع العربي الحالي، لن يسود سوى المنطق الانقسامي الذي يغذي التقسيم عملياً، وقد يؤدي إلى تقسيم رسمي مستقبلاً، ما يجعل الحديث عن الوحدة العربية، لا يُغادر خانة التندر والسخرية.
تعليق: