الهروب الكبير

16 يوليو 2019
+ الخط -

سيغادر قطاع التربية والتعليم خلال هذه السنة 15 ألف أستاذ أحيلوا إلى التقاعد النسبي. عدد ضئيل مقارنة بكَمّ الطلبات المقدمة من طرف نساء ورجال التعليم، وحتى يكون القارئ في السياق؛ فالتعاقد النسبي هو مغادرة الموظف للخدمة بناءً على طلبه دون إتمام سنوات العمل  المحددة قانونا، ذلك وفق وضوابط موضوعية وذاتية. 

العدد الكبير من الأساتذة الراغبين في الإحالة إلى التقاعد النسبي، يفصح عن حقيقة مفادها أن مهنة التدريس لم تعد مهنة ملهمة كما كانت من قبل، بل باتت جالبة لـ"صداع الرأس"، ومسببة للأمراض النفسية والعصبيّة، وفي خضم غياب الشروط الممكنة والمطمئنة على ممارسة العمل التربوي.

ثمة تحولات اقتصادية واجتماعية وتكنولوجية عرفها المجتمع المغربي؛ أدت إلى صناعة جيل لا يمتلك الحد الأقصى من القيم والأخلاق، فتحولت المدرسة المغربية إلى ساحة حرب، يلجأ المدرس إليها مستعدًا لأسوأ الحالات، من عنف رمزي ومادي... بينما تقف وزارة التربية في صف المتفرجين على الوضع المتجه نحو مزيد من الفوضى دون خطوات حاسمة ضامنة لسلامته الجسدية والنفسية.

حساسية مفرطة من طرف غالبيّة المجتمع تجاه المدرس، والذي ساهم الإعلام المرئي بالخصوص بتشكيل وعي عدائي تجاه هذه الفئة، عبر رسائل مشفرة ومسيئة لمهنة التدريس عبر أفلام ومسرحيات، تغدو وضعية المدرس خارج وداخل الفصل لقمة سائغة للسخرية والتنكيت.

يتم تحميل المدرس تبعات الأزمة التي غرق التعليم العمومي فيها؛ التقصير والتهاون والعطل، تهم طازجة تمنح لنساء التعليم، رغم أنهم لم يسهموا في صياغة برنامج أو لم يلتهموا مليارات المخططات ولم يؤلفوا كتابا مدرسيّا، فالفشل لنا والنجاح لهم ولو كان على حسابنا.

كوادر راكمت من التجربة ما يكفي غادرت سفينة التدريس وفي قلبها حسرة وغصة على قطاع وقع بين أيد غير حكيمة لا تحسن التخطيط والتدبير، تهمها النقط العالية والنسب المئوية التي تغطي الحقيقة الجارحة والمؤلمة لتعليمنا الذي يتآكل سنة بعد أخرى.

إن الإصلاحات والرؤى التي تروج الوزارة بفعاليتها لا يسهم في صياغة مقترحاتها الفاعلون الحقيقيون الذي خبروا خبايا القطاع وهمومه، لا يستقيم أن يمتلك من يقطن أحياء الرباط الراقية، وينتقل عبر سيارات فارهة رؤية واضحة حول مشاكل التلميذ المغربي في نواحي خنيفرة وقرى زاكورة وورزازات وجبال الحسيمة، ليس من عاش كمن سمعَ. 

سنة بعد أخرى، تضمحل الرغبة في العمل والتضحية أكثر، الواقع كفيل بإجهاض الأحلام والطموحات التي يحملها كل مدرس في بداية مشواره، ميدان تكتشف فيه أن ثمة غالبية لا يهمها مصلحة المتعلم ولا جودة الكتاب المدرسي والفضاء الملائم، كل يحارب لصالح منصبه وفي صالح ريعه.

أغلب نساء ورجال التعليم غير راضين عن ظروف العمل، في غياب ثقافة الاعتراف بالتضحيات التي تبذل، ورغم غياب الإمكانات. وزارة التربية الوطنية تراكم سنة بعد أخرى عدد الفئات المتضررة، ضحايا الحركة الانتقالية، ضحايا النظامين، وضحايا الزنزانة 9، من دون أن تبدي الوزارة لا حسن ولا سوء النية في التعاطي مع هموم موظفيها، ولو على سبيل فعل "صْوَابْ".

 

دلالات