المولد النبوي في مصر... "حلاوة زمان عروسة حصان"

30 نوفمبر 2017
الصورة
إعداد حلويات واحتفالات (Getty)
+ الخط -
يختلف الزمان وتتبدل ملامح العصر، وتبقى الطقوس والعادات والتقاليد الشعبية الخاصة بالمولد النبوي الشريف راسخة ثابتة لا تتبدل في مصر. فبالرغم من ظهور أجيال جديدة أثرت فيها التكنولوجيا بشكل واضح، إلا أن إحياء المناسبة الدينية المفضلة عند المصريين يبقى كما هو مع اختلافات طفيفة بين القاهرة وسائر المدن المصرية.

أما التقاليد الراسخة في عموم مصر فهي "حلوى المولد" التي تعتبر أكثر ما يميز احتفالات مصر بهذه المناسبة، إذ تملأ شوارع مصر من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها محلات ودكاكين حلوى المولد في الأسواق.

"العروسة الحلاوة" و"الحصان الحلاوة" كانا من أهم وأشهر مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي في مصر، حتى أن المصريين تغنوا بها في الأغنية المشهورة "حلاوة زمان عروسة حصان"، وكانا يصنعان من السكر المطبوخ. ورغم ظهورهما لفترة بشكل مختلف حيث كان يتم استيرادهما من الصين وكانا مصنوعين من البلاستيك، إلا أن العروسة والحصان التقليديين لا يزالان موجودين في الأسواق، وخصوصًا القديمة منها، مثل أحياء السيدة زينب ومصر العتيقة وعابدين، حتى أنهما أزاحا عروسة وحصان الصين، فللعام الثاني على التوالي يختفي الصيني من الأسواق. وتعتبر عادة شراء العروسة الحلاوة فرض على جميع الرجال، فيجب أن يهديها إلى زوجته أو خطيبته.

أما أنواع حلوى المولد الأخرى والمعدة من السمسم والحمص والمكسرات فهي الأكثر انتشارًا، رغم ظهور أنواع جديدة من الحلوى أدخلها اللاجئون السوريون إلى مصر وأسعارها أكثر ارتفاعا من مثيلاتها التقليدية، ومنها النوجا والقشطة بالمكسرات والمن والسلوى، بالإضافة إلى أصناف يضاف إليها جوز الهند والزبيب.

ورغم ارتفاع أسعار حلوى المولد هذا العام بشكل كبير، إلا أن ذلك لم يمنع المواطن المصري من الإقبال على الشراء، حتى أن "حلوى المولد" نفدت من الأسواق قبل حلول عيد المولد النبوي بيومين.

في العاصمة القاهرة، حيث مقر المشيخة العامة للطرق الصوفية، تشاهد انطلاق موكب صوفي من مسجد سيدي صالح الجعفري في وسط القاهرة عقب صلاة العصر، متجها نحو ميدان الحسين، حيث سيحتشد هناك الآلاف لترديد قصائد مديح في حب الرسول.

وفي أسوان مثلًا، تحرص الطريقة الصوفية على تنظيم زفة تبدأ سيرها بداية من أول كورنيش أسوان حتى مسجد الطابية. وتبدأ الاحتفالية بترديد الأناشيد الدينية والتواشيح بمكبرات الصوت، وتبدأ من مساء اليوم حتى صباح اليوم الثاني. وفي قرية بلانة النوبية، يحتفل الشباب النوبي بالمولد النبوي بشكل مختلف، عن طريق ترديد الأناشيد الدينية ولكن باللغة النوبية، والتي يشارك فيها الأهالي من جميع القرى النوبية من أماكن مختلفة.

احتفالات وطقوس متوارثة (Getty)


وبدأت الاحتفالات اليوم تحت مسمى "نوبة نجرشاد"، ومن الأناشيد المميزة "مرحبا بالمصطفى". وفي الصعيد، يحتفظ السكان ببعض الطقوس الاحتفالية المتوارثة عن الأجداد، مثل إقامة "مرماح الخيل"، ويستعرض خلاله الخيّالة مهاراتهم في ركوب الخيل، وقوة وجمال خيولهم، وكذلك حلقات التحطيب، ودورة المولد التي يشارك فيها الآلاف من المواطنين، يجوبون خلالها شتى المناطق.

وإذا كان المولد النبوي يرتبط في القاهرة بالحلوى، إلا أنه في سائر محافظات مصر تصاحبه طقوس أخرى، حيث يعتبره سكان الأرياف موسمًا يقومون فيه بذبح الطيور لأكلها. وفي المولد النبوي، يبدأ المصريون في جميع محافظات مصر في زيارة أضرحة "أولياء الله الصالحين" القريبة منهم، ومنهم من يقرر التوجه إلى مسجد أو ضريح بعينه، وإن كان مسجد الحسين والسيدة زينب بالقاهرة أصحاب النصيب الأعظم من الزيارات.

ويعتبر المولد النبوي من أشهر المواسم التي يزدهر فيها عمل المنشدين الدينين، وخصوصًا الشيخ ياسين التهامي، الذي يُحيي ليلة المولد بمسجد الحسين، حتى أن بعض المقيمين بالمحافظات والأقاليم يشدون الرحال قبل المولد بأيام للبقاء في المسجد حتى المولد، فقط للاستمتاع بإنشاد التهامي.

تقاليد راسخة لا تتغيير (Getty)


انطلق الاحتفال بالمولد النبوي في مصر خلال الحكم الفاطمي الذي بدأ منتصف القرن الرابع الهجري، وكان يتم من خلال صنع الحلوى وتوزيعها مع الصدقات وإقامة الشوادر بالأسواق، إضافة إلى موكب قاضي القضاة حيث تُحمل أطباق الحلوى إلى جامع الأزهر ثم إلى قصر الخليفة. ومع دخول الفاطميين إلى مصر، أقيم أول احتفال بالمولد النبوي الشريف في عهد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله عام 973.


وكان الفاطميون أول من وضعوا أساس هذا الاحتفال، وقال المؤرخون: إن الدولة على رأسها الخليفة والوزراء والعلماء ومعهم عامة الشعب كانوا يستقبلون هذه المناسبة الكريمة التي تبدأ من غرة ربيع الأول حتى الثاني عشر منه، وكان من السمات الواضحة في هذا العصر الاحتفال بهذه المناسبة والإفراط في صنع الحلوى بأشكالها المختلفة، كالطيور والقطط والخيول والعرائس "عروسة المولد".

وفي عصر الدولة الأيوبية، ألغيت جميع مظاهر الاحتفالات الدينية، وكان السلطان صلاح الدين الأيوبي يهدف إلى توطيد أركان دولته لمواجهة ما يهددها من أخطار خارجية واقتلاع المذهب الشيعي بمحو جميع الظواهر الاجتماعية التي ميزت العصر الفاطمي.

وعندما حكم المماليك مصر، اتخذ الاحتفال بالمولد النبوي شكلا من أشكال العظمة والإبهار، ما يتناسب مع ما شهده المجتمع المصري من رفاهية، وكان السلاطين حريصين على مشاركة رعاياهم الاحتفال بهذه المناسبة.

في الليلة الكبيرة من الاحتفال بالمولد يقيم السلطان بالحوش السلطاني خيمة في القلعة ذات أوصاف خاصة تسمى خيمة المولد، وكان أول من وضع هذه الخيمة السلطان قايتباي، وقيل في وصف هذه الخيمة إنها زرقاء اللون على شكل قاعدة في وسطها قبة مقامة على أربعة أعمدة، وبلغت كلفتها نحو ستة وثلاثين ألف دينار، وهذه الخيمة لا ينصبها إلا ثلاثمائة رجل، وكانت توضع عند أبوابها أحواض من الجلد تملأ بالماء المحلى بالسكر والليمون وتعلق حولها الأكواب الفاخرة المصنوعة من النحاس الأصفر والمزينة بالنقوش الجميلة، وتربط هذه الأكواب بسلاسل من النحاس وتصطف حولها طائفة من غلمان الشربخانة لمناولة الوافدين من الناس، ولا فرق بين صغير وكبير.


وفي الليلة الختامية يظهر المقرئون براعتهم في تلاوة آيات الذكر الحكيم، فيتعاقب واحد بعد الآخر وكلما فرغ مقرئ أعطاه السلطان صرة بها 500 درهم فضة، ثم يأتي بعد ذلك دور الوعاظ واحداً تلو الآخر، كلما فرغ الواعظ ناوله السلطان صرة بها 400 درهم فضة، وأعطاه كل أمير شقة حرير، وبعد صلاة المغرب تمد أسمطة الحلوى السكرية المختلفة الألوان. وفي صباح يوم المولد يوزع السلطان كميات من القمح على الزوايا.

ومنذ عهد الأسرة العلوية أصبحت الاحتفالات مسؤولية نقيب الأشراف الذي يتلقى دعماً من الخزانة العامة وإدارة الممتلكات الخديوية، التي تخصص أطناناً هائلة من الأرز واللحوم والسكر وغيرها لبيعها في الاحتفالات.

وفى ختام الليلة تزدان خيمة السيد البكري بتشريف الخديوي والنظار والعلماء والأعيان والذوات لسماع قصة المولد النبوي، وفي الختام توزع الحلوى وشراب الليمون على الحاضرين، ومما يزيد المشهد رونقاً وبهاء سرادق "خيمة الحضرة الفخيمة الخديوية" المحلى بأبهى زينة، ويزدحم حوله الناس ازدحاماً لا مثيل له، لمشاهدة هذه الأذكار وسماع الأناشيد ورؤية النيازك.

وفي منتصف شهر صفر تتهافت القلوب لمعرفة مدة الاحتفال، ويتم ذلك خلال اجتماع في منزل قاضي القاهرة وبحضور مشايخ الطرق، يعقب ذلك طلب نقيب الأشراف من محافظ العاصمة أن يرسل له فرمان المولد النبوي الذي يعطي الإذن بالاحتفال ويتولى إبلاغ نوابه في جميع المديريات لإعلام الناس بمدة الاحتفال.