المثقف في لحظات التخفّي

المثقف في لحظات التخفّي

29 يوليو 2016
الصورة

جان جينيه (Getty)

+ الخط -
لكل جماعةٍ ثقافيةٍ في بلدٍ ما، محمدة، أو فضيلة، تعتبر بمثابة التاج على رأسها، حتى وإن كثرت الخيانات، والتبست أحياناً بالغموض، ويظل هذا التاج رأس مالها الرمزي الذي تدافع عنه، وتحتمي به، وتعيش له وعليه أعمارها، حتى وإن قربت أو بعدت أو تماهت في أطماع السلطة السائدة، وحملت حتى السلاح، أو كتبت الأناشيد القومية، تحت قرع طبول الحرب ومدافعها.
فحقيقة، لا تملك أي جماعة ثقافيةٍ سوى (بيانها) من الأحداث، وقد تملك الدكتوراه أو القصر أو فضلا موروثا من عائلة أو اليد الطائلة (أحياناً) في بعض الاستثناءات، كما في حالة جان بول سارتر، وفي عالمنا العربي، حتى ولو كانت اليد طائلةً والعقلية راجحة، فغالبا ما يتوارى صاحبها وراء المعاني المجرّدة والغامضة، ونرى القصائد وقد تنكّرت لخيولها وعنادلها وجمرها وتحولاتها، وحتى نار الفينيق، وقد صارت كالماء الفاتر، كما في حالة أدونيس، بعدما يتخلى (مهيار) حتى عن دمشق وأعنابها، أو في حالة أحمد عبد المعطي حجازي، وقد صارت القصيدة (بلا قلبٍ) وعلى مرمى حجر من (قصر الاتحادية) من حسني مبارك مروراً حتى عبد الفتاح السيسي، اللهم إنْ تعلق الأمر بمقالٍ ناري عن (حضارة تدمر) أمام "داعش"، أو قصيدة لنجاة مبارك من الاغتيال في إثيوبيا، بعدها يصير حجازي متصرفاً كونياً ثقافياً في لجان الشعر (وبيت الحاجة وسيلة) والجوائز واللجان والسفر والنشر والمجلات، ويتولى صك مصطلح الصفوة والحرافيش، حتى جريدة الأهرام وكل المجلات الأخرى، ويحصل على كل جوائز السلطات من (التقديرية) حتى (النيل) ومن (العويس) حتى (أم درمان)، ولا غرابة في ذلك، فالشاعر أبو نوّاس كان يقول الشعر، طلبا للهداية بعد الشراب، ويتغزل في غلمانه والخيزران أيضاً. ومن غير المستبعد أيضاً أن يتقاسم ريع الجوائز مع اللجان المنوطة ليلا، سواء أكان من ديوان الخليفة، أو حتى (المجلس البلدي) على رأي عمنا بيرم التونسي.
هل كان قدراً أحمق هو الذي وضع المثقف في هذا الوضع البائس على رقعة الشطرنج بالقرب دائما (من العساكر)؟
الأكثر غرابة أنه، على الرغم من كل هذه الدماء الغزيرة، والتي لم تعد عزيزة علينا نحن العرب، وعلى الرغم من بؤس المثقف ووضعيته على رقعة شطرنج هذه المذابح المدبرة، نرى مهرجانات السينما العربية تعمل، وموظفي وزارات الثقافة العرب يعملون، ويقولون التصريحات بشأن أوطانهم، ودور النشر تعمل، ومهرجانات تكريم الفنانات والفنانين تعمل بأقصى طاقاتها، ولا تتنكّر لجمائل الأجيال من عبد الفتاح القصري حتى محمد هنيدي، وكاميرات السينما التسجيلية تعمل مع مهرجاناتها من دبي حتى مراكش، وحتى مهرجانات الرواية والقصة القصيرة تعمل، ومهرجانات المسرح التجريبي تعمل، وكل اللجان مشكلة وسعيدة. ومن لم يسعفه العمر وثقة الخطوة إلى مسرح التكريم، أسعفته أصباغ الشعر في الأسواق، فلماذا لا نحب النخبة المثقفة، ولماذا نحسد زرياب، مثلاً، على عشرين قميصا من القز أو الحرير، كان كل قميص مطعماً بالدر والجوهر، طالما في العود طرب، ومساكين قرطبة يتولاهم الله من كرمه؟
وحده جان جينيه، أراه، وقد استند من غير (بيان) في مخيم فلسطيني على راحة يده، في بيت فقراء. فجأة، تأتي طفلة وتضع خلف ظهره، وهو الشيخ المسن الذي أتعبته السجون، وسادة، فإذا بجان جينيه يقول: هذه هي الحضارة. .. وكل شيء كما قال الملك سليمان "قبض ريح".

دلالات