الكتب تنجو دائماً

19 يوليو 2020
الصورة
من "بارثينون الكتب" لـ مارتا مينوجين، كاسل في ألمانيا، 2017 (Getty)

تحيلُ فكرة منع الكتب إلى مقاربات عديدة، جلّها مرتبط بالرقيب والكاتب. لكن ماذا عن الكتاب نفسه؟ كيف تتحرّر الأوراق المتراصّة من الأدراج؟ وما السبل التي يسترد من خلالها الكتاب الممنوع حقّهُ في الظهور، حقّهُ في أن يُواسَى من جرّاء منعهِ، المواساة ذاتها التي كان قد قدّمها للبشر عبر المقولات الإنسانيّة ومتعة القص. 

تعرف "الحياة الثقافية" في البلدان القمعية قصصاً كثيرة عن منع الكتب، وهو تفصيل لم يعد يشغل الرأي العام أو حتى صنّاع الكتاب، خصوصاً أنّ الكاتب نفسه مهدّد، والقرّاء أيضاً يمكن اعتبارهم - مع القليل من الدراما - مهدّدين ضمن اعتبارات الرداءة العامة.

إذاً صناعة الكتاب برمّتها هي صناعة تتمُّ تحت التهديد، وفي ظروف التهديد الشامل لا تعود المعرفة التي تحرّر الإنسان رائجة، وقلّة من يتداولونها، فما يشغل البشر أنفسهم هو النجاة ذاتها. في غمرة حفل التهديد هذا ثمة حكايتان تعرضان ضروباً لسبل نجاة الكتب: في شهر حزيران/ يونيو عام 2017 شيّدت الفنانة الأرجنتينية مارتا مينوجين هيكلاً من الكتب الممنوعة يحاكي المعبد اليوناني "بارثينون" والذي كان يمثل الديمقراطية في أثينا، وذلك احتجاجاً منها على الرقابة ودفاعاً عن حرية التعبير. أنجزت الفنانة الهيكل في موقع كان النازيون قد أحرقوا فيهِ كتباً لكتّاب يساريين ويهود. أحضر الأهالي الكتب التي كانت ممنوعة خلال حكم النازية من منازلهم لأجل التظاهرة، وانتصروا بهذا للكتب التي كانت قد انتصرت لحريتهم وإنسانيتهم في وجه النازية.

حياة الكتب أطول من حياة صانعيها ومانعيها أيضاً

كذلك يروي الكاتب التشيكي بوهوميل هرابال (1913 - 1997) في رواية "عزلة صاخبة جداً" حكاية فريدة عن عامل على آلة لتلف الكتب، حيثُ يعمل هانتا لمدة خمسة وثلاثين عاماً في قبو مع آلة هيدروليكية، يعتبر نفسهُ جزاراً، ويفكر بجلب الآلة إلى حديقة منزلهِ، ليضغط الورود مع كتب منتقاة، وليرى زوارهُ الأشياء التي رفض الناس اقتناءها. بالطبع إنّه يفكر هنا بالكتاب المهجور أو سيئ الحظ. لكن الرواية تعرضُ بشكل أساسي هوس هانتا بإنقاذ الكتب، حيث عمل في الفترة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية على إنقاذ الكتب الهامة من حملات التلف التي لحقت بالمكتبة الروسية الملكية وبعدد من مكتبات القصور في براغ، مكان إقامته، وتألم لمشهد القطارات التي حملت أروع المكتبات إلى سويسرا والنمسا مقابل كرون واحد للكيلو غرام من الورق...

يواسي هانتا نفسهُ، وهو يشير إلى مشهد سقوط غجرية في قبضة الغيستابو؛ بأنّه كان قد سحق أطناناً من الأدب النازي بمتعة كبيرة، وكأنه بسحقه الرجال والنساء الألمان السعداء في آدابهم، ينتصرُ لصورة الغجرية الجميلة والحرّة. بذلك يعرض جانباً ممّا يدين بهِ للكتب، وقد ساعدته على تلمّس عزاء ما، الأمر الذي دفعه إلى التفكير بإنقاذ ما يستطيع إنقاذه. تظهر أعمق الشروخ لدى هانتا في علاقته مع آلتهِ، إذ يرثي حاله عندما يتخلّون عنه في العمل ويُحضرون آلة جديدة. إنّه لا يستطيع العيش دون فكرة إنقاذ الكتب الجميلة من الفضلات الكريهة، وتأويلاً إنّه لا يستطيع العيش من دون أن يردَّ الاعتبار لما ردَّ الاعتبار لإنسانيته، وهي الكتب. 

نجد في الحكايتين أنّ للكتب الممنوعة سبلها الخاصة في العيش والاستمرار، مع وبزوال الأنظمة التي منعتها. إن كانت حياة الكتب أطول من حياة صانعيها، فهي أطول من عمر مانعيها أيضاً. الكتب - والحديث هنا عن الكتب الجيدة التي تُطلق الإنسان - لا تُقاوَم، بل تظفر بالغد، والأوراق التي ليس لها أن تفرّ من النيران، لها أن تفرّ من حرائق الأزمنة، وصولاً إلى غدٍ تُتَداول فيهِ أمام الملأ.


* كاتب من سورية

آداب وفنون