..عن حرق الكتب

..عن حرق الكتب

25 نوفمبر 2014
الصورة

حرق الكتب محاولة لفرض طريقة تفكير وفلسفة حياة موحّدة(Getty)

+ الخط -

تعرّض كتّاب، عبر التاريخ، إلى حملات عنف قاسية، أودت بحياة كثيرين منهم، وحرق ملايين من أمّهات الكتب، ولم ينج منها سوى النزر القليل، خصوصاً وأنّ العالم الإلكتروني لم يكن معروفاً قبل تسعينيات القرن الماضي.  وشهد التاريخ على مرّ العصور مجازر كتب غير قليلة، فقد أقدم الإمبراطور، تشي شي هوانغ، من أسرة تشين، الحاكمة في القرن الثالث قبل الميلاد، على تنظيم محرقة لكتب الفلسفة والعلوم التي تتناقض مع المدرسة الفلسفية التقليدية آنذاك، ثمّ تمكّن، بعد ذلك، كونفوشيوس من استعادة السلطة والحكم في ظلّ أسرة "هان"، ليدين ممارسات سلفه، باعتبارها إحدى أكبر جرائم الإنسانية. وفي الواقع، كانت ممارسات الإمبراطور، تشي هونغ، تهدف إلى توحيد الفكر الصيني، للتوصّل إلى فرادة في الأداء والنمو والتطور في القرون الخمسة والعشرين التالية. 
شهدت حقبة الكلاسيكية القديمة كذلك حالة من التعصّب وانعدام التسامح، ما أدّى إلى حرق كتب التوراة والمؤلفات القديمة القيّمة، وفي عام 392 ميلادية، حرق جزء كبير من محتويات مكتبة الإسكندرية في السيرابيوم المحفور في صخور سقارة في مصر، وقتلت، في هذه الأحداث، عالمة الرياضيات والفلسفة هيباتيا. وشهدت القرون المتوسطة مأدبات حرق كتب كثيرة، بتهمة الهرطقة ومعاداة الكنيسة وما شابه. وفي القرن الخامس عشر، أقدم حاكم التفتيش، توماس دي توركيمادا، على حرق الكتب المعادية للمسيحية في إسبانيا، وخصوصاً مجلّدات التلمود والتعاليم اليهودية.


ولم ينجُ الكاتب، هاينش هاينه، الألماني من بطش هتلر والنازية، وحرقت كتبه ومؤلفاته، إضافة إلى الكتب التي اعتبرت معادية للأمّة الألمانية. وشهدت الحقبة السوفييتية تعسّفًا غير مسبوق، وتعرّض كتاب ومفكرون عديدون لحصار وتنكيل ونفي إلى سيبيريا، منهم ألكسندر سولجنتسين، الكاتب الروسي القلق والحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1970. وبعد نشر الجزء الأول من ثلاثيته "الأرخبيل" عام 1973، شنّت عليه الصحافة الروسية هجوماً غير مسبوق، واتهمته بالخيانة، وسحبت منه الجنسية السوفييتية، فعاش منفيّاً في الغرب، وكذلك الأديب الشاعر، ألكسندر غاليتش، والذي ألف كلمات أغنيات روسية عديدة، عاش منفيّاً في باريس حتى وفاته عام 1977. وتحضرني، هنا، مأساة الأديب الكبير، لويس باسترناك، ففي 1958 رفع كتّاب وشعراء ومفكّرون سوفييت تقريراً إلى الرفيق السكرتير الأول للحزب الشيوعي وزعيم البلاد، خروتشوف، بشأن رواية بوريس باسترناك الجديدة (دكتور جيفاكو)، جاء فيه، إنّ الرواية معادية للاتّحاد السوفييتي، واقتبسوا عشوائيّاً مقاطع من الرواية. عندها اجتمعت سكرتاريّة اتّحاد الكتّاب السوفييت، واتّخذت قراراً يقضي بفصل بوريس باسترناك من عضويّته، علمًا أنّ باسترناك شارك في المؤتمر التأسيسي للاتّحاد. وفي التاسع عشر من شهر شباط عام 1988 اجتمع الاتحاد لإعادة الاعتبار لهذا الكاتب والشاعر المتميّز باسترناك. كانت صالة المؤتمرات التي شهدت فصل الكاتب، أيضاً، ملأى بجموع الكتّاب والمثقّفين، ويعتبر هذا الحدث سابقة في التاريخ السوفييتي المعاصر، قبل تفكّكه بسنوات معدودة، وتمثّل الهدف من الاجتماع إعادة عضويّة الشاعر والكاتب الكبير باسترناك إلى اتّحاد الكتّاب بعد موته، والعمل على نشر أدبه وتحويل منزله إلى متحف يحمل اسمه، وتعويضه عن الإجحاف الذي حلّ به. وأصبح واضحاً، أنّ الزعيم خروتشوف لم يقرأ تلك الرواية مدى حياته. وجاء القرار نتيجة ضغوط مارسها زملاء الشاعر لتنحيته عن مسرح الأدب والإبداع. في تلك الفترة، كتب ألبير كامو أن "رواية دكتور جيفاكو قصّة حبّ جميلة، ولا تسيء للاتّحاد السوفييتي".
لم يتوقف التهديد بحرق الكتب والمؤلفات في القرن الحالي، وقد شهدنا، أخيراً، أن شعراء وكتاباً عراقيين يهدّدون بحرق مؤلفات الشاعر العراقي، سعدي يوسف، في شارع المتنبي في بغداد، لإساءته، حسب أقوالهم، للعراق، ولإهانته إقليم كردستان بقلب حرف الكاف قافاً، مهاجماً وضعاً غير سويّ وممتدحاً أوضاعاً ربّما أكثر سوءاً في مصر، فلا ديمقراطية أو إنسانية في العراق أو مصر أو سورية أو اليمن. وبغضّ النظر عن حرق الكتب، أو التراجع عن هذه الخطوة، تبقى الدلالات خطرة للغاية، لأنّ القدرة على الحديث وإعلان الرأي بات محفوفاً بمخاطر كثيرة، وحرق الكتاب لا يقلّ تأثيراً عن محاولة تغييب الكاتب فيزيائيًا.
كتب ويليام فوكنر "يجب أن نكون أحرارًا، ليس لأننا نريد الحرية، بل لأنّنا نمارسها". الحرية ليست مجرّد مصطلح بل ممارسة، وهذه من الأسباب الرئيسية التي ساعدت في ارتقاء المجتمعات الغربية، بعد أن عانت من محاربة الفكر وتغييب الوعي، عبر فصول التاريخ المختلفة، لتتوصل إلى حقيقة لا يمكن تخطّيها، والمتمثلة بضرورة ممارسة الحرية في هامش من الديمقراطية العقلانية.
لسنا، في العالم العربي، على ما يبدو، أحرارًا بما يكفي، لكي نمارس هذه الحريّة، نتعاطف مع آخر الشيوعيين، وإن كانت هذه التسمية ليست دقيقة، فالشيوعية ما تزال موجودة في شرق أوروبا، ومؤدلجة في الأحزاب اليسارية المتطرفة، بصورة تفوق ما عرفته حقبة خروتشوف وغيره من الزعماء السوفييت، يطرحون آراءهم، ويشاركون في الانتخابات، إذا التزموا بالشروط الموضوعية للأحزاب السياسية، ولا يوجد ما يمنع من توليهم السلطة، إذا تمكنوا من ذلك بصناديق الاقتراع.
لسنا أحرارًا بما يكفي، لأنّ التعامل مع الشاعر سعدي يوسف جاء من منطلق "ردّة الفعل"، والتعامل بردود الفعل الآنية شأن مفضوح، وأنا على ثقة من أنّ قصيدته النثرية، موضع الغضب منه، كانت ستبقى أسيرة موقعها، وحصرًا على قرائها، لكن ردّة الفعل، وتوقّع فعل حرق الكتب أدّى إلى الشهرة والتشهير. ويعد حرق الكتب عملاً قاصراً، لا يتجاوز المتوقّع كردود فعل عاطفية، وفعلاً رمزيّاً غير قادر حقيقة على حذف ما قيل في المتصفّحات الإلكترونية، والأجدى من ذلك مواجهة الاتهام والشتم بمواجهة منطقية فكرية. نحن بعيدون، كلّ البعد، عن تحقيق الغرض الذي قصدته الإمبراطوريات والدول الكبرى، حين أقدمت على حرق الكتب، في محاولة لفرض طريقة تفكير وفلسفة حياة موحّدة، نجحت في بعض المواضع، "كما في الصين نسبيّاً" وفشلت في مواضع وأماكن عديدة أخرى.