الكاظمي والفرصة التاريخية

07 يوليو 2020
الصورة

مصطفى الكاظمي يخاطب البرلمان العراقي في بغداد (6/6/2020/الأناضول)

لا يبدو أن رئيس الحكومة العراقية، مصطفى الكاظمي، راغب بالدخول في مواجهة مباشرة مع فصائل الحشد الشعبي التي تعترف بولائها للولي الفقيه في إيران، فهو يدرك جيداً أن لا قدرة له حتى الآن على مواجهة خاسرة من هذا النوع، فبعد أيام قليلة على عملية جنوب بغداد التي تم فيها اعتقال قوة تابعة لـ"حزب الله" العراقي، كانت تخطط لشن عمليات صاروخية على مطار بغداد والمنطقة الخضراء، تم إطلاق سراح 13 عنصراً منهم، والتحفظ على واحد، مع عقد جلسة ودّية مع قادة الفصائل لتلطيف الأجواء.

مقابل ذلك، اتخذ الكاظمي قراراتٍ أعفى بموجبها فالح الفياض من منصبي رئيس جهاز الأمن الوطني ومستشار الأمن الوطني، مع احتفاظه بمنصبه رئيساً للحشد الشعبي، في إجراء يمكن قراءته محاولة من الرجل لإبعاد شخصياتٍ حشدية مقرّبة من إيران من مفاصل أمنية حساسة، بناء على طلب أميركي صريح، كما أشارت تسريبات أميركية في هذا الموضوع. وجاءت إقالة الفياض من مناصبه الأمنية قبل زيارة مرتقبة للكاظمي، يفترض أن تكون خلال شهر يوليو/ تموز الحالي إلى واشنطن، التي تسعى بزيادة الضغط على الكاظمي إلى إحداث تغييرات في المناصب الأمنية الحساسة التي ما زال كثير منها أسير سيطرة أحزاب وقوى موالية لإيران.

السؤال الأهم الذي يبدو أنه لا يزال بحاجة إلى بحثٍ كثير للوصول إلى إجابة له، هو في إمكانية الكاظمي لتفكيك الدولة العميقة التي نجحت إيران ببنائها خلال السنوات السبع عشرة الماضية، الدولة التي يبدو أنها ما زالت الفاعل الأهم في تسيير شؤون العراق.

إيران تعاني من صعوباتٍ مالية كبيرة، دفعتها إلى إبلاغ المليشيات العراقية المسلحة بعدم قدرتها على تمويلها

وقد تعهد رئيس الحكومة العراقية، في تصريح متلفز، بإجراء تغييراتٍ في مفاصل مهمة في الدولة العراقية، في خطوةٍ تهدف إلى تفكيك هذه الدولة العميقة، كما أنه تعهد باستعادة السيطرة على المنافذ الحدودية العراقية الخاضعة لسيطرة تلك المليشيات، وكلها إجراءات ووعود لم تتحقق، خصوصا مع امتناع قوى سياسية وفصائل مسلحة كثيرة عن الخضوع لمثل هذه التغييرات.

العراق اليوم ساحة رئيسية للصراع الأميركي الإيراني، فبينما تسعى طهران، من خلال أذرعها المختلفة، سياسية ومسلحة، لعرقلة أي مسارٍ سياسيٍّ يهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة، وحصر كل الأنشطة السيادية لمنطق الدولة، تضغط أميركا من جانبها على حكومة الكاظمي من أجل الإسراع بإجراء التغييرات المطلوبة، لضمان دعمها الذي يبدو أن العراق بات في حاجةٍ ماسّة له.

ذكرت وكالة رويترز، في تقرير لها، أن إيران تعاني من صعوباتٍ مالية كبيرة، دفعتها إلى إبلاغ المليشيات العراقية المسلحة بعدم قدرتها على تمويلها، وأن على تلك الفصائل الاعتماد على نفسها في تمويل مقاتليها، ما يعني أن هذه الفصائل باتت في أمسّ الحاجة لأذرعها الاقتصادية التي تهيمن على مفاصل كثيرة من الحياة الاقتصادية في العراق.

إذا بقي الكاظمي خاضعاً لسلطة الأحزاب ومليشياتها، فإنه سيرسم نهاية مسار العملية السياسية التي يبدو أنها باتت في الرمق الأخير.

في المقابل، وفي ظل الأزمة المالية الخانقة التي يعيشها العراق، فإن الحكومة هي الأخرى في أمسّ الحاجة لتلك الواردات التي يمكن أن تشكل مساهمةً مهمةً في سد العجز الشهري الذي تعانيه خزينة الدولة العراقية. وفي خلفية المشهد، تبدو إيران المتمكّنة من مفاصل الدولة العراقية، تعيش أسوأ أوضاعها، ليس على المستوى الاقتصادي وحسب، بل حتى على الصعيد الأمني، فلقد شهدت مدن إيرانية عديدة انفجارات ما زال كثير منها غامضاً مع ترجيحاتٍ بأنها انفجارات ليست عرضية، وإنما بفعل قصف أو اختراق سيبراني إسرائيلي، هذا ناهيك بواقعها الاقتصادي الذي تعيشه منذ سنوات بفعل العقوبات الأميركية، والذي أدى إلى هبوط تاريخي لسعر التومان الإيراني مقابل الدولار، حتى وصل إلى قرابة 22 ألف تومان مقابل الدولار الواحد.

الكاظمي أمام فرصة تاريخية إنْ أحسن اختيارها، لإيجاد مكانٍ للعراق في لعبة التوازنات الإقليمية التي كانت دائما تختاره ساحةً للصراع، ففي ظل الانشغال الإيراني بترتيب الوضع الداخلي، وفي ظل فقدان السيطرة على كثير من أذرعها في العراق، خصوصا بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني، وفي ظل استعداد أميركي خليجي لتوفير الدعم اللازم لتلك الحكومة.

ما على الكاظمي أن يدركه أن مواجهته مع الفصائل المسلحة آتية لا ريب، فقط كل ما عليه أن يفعله اختيار الوقت والمكان المناسبين لذلك، هذا إذا افترضنا أن لديه الرغبة الحقيقية لإخراج العراق من لعبة التوازنات الإقليمية والدولية، والنأي به بعيداً عن دائرة الصراع الأميركي الإيراني المستمر في المنطقة منذ سنوات.

لا يمكن والحال كذلك، إلا أن يدعم الكاظمي مواقعه، ليس بالاستناد إلى ما يمكن أن يأتيه من دعم خارجي، أميركي أو خليجي، وإنما أن يسند ظهره إلى شعب تظاهر منذ أكتوبر/ الماضي، معلنا رفضه ليس الأحزاب السياسية فحسب، وإنما مجمل العملية السياسية التي أوصلت العراق إلى أن يكون دولة فاشلة بمعنى الكلمة، بعد أن غابت عنه أدنى مقومات الدولة. بخلاف ذلك، إذا ما بقي الكاظمي خاضعاً لسلطة تلك الأحزاب ومليشياتها، وعدم استغلاله الفرصة المثالية التي ربما لم تتوفر لشخصٍ غيره، فإنه سيرسم بذلك نهاية مسار العملية السياسية التي يبدو أنها باتت في الرمق الأخير.