القيادة في زمن الأزمة: ترامب وأميركا

28 مارس 2020
الصورة
+ الخط -
يصحّ على الرئيس الأميركي، ترامب، القول إنه رئيس بسبعة أرواح كما نقول، فقد نجا من كل محاولات خصومه للنيل منه، وفشلت كل المحاولات لعزله، والتي قادها خصومه من الحزب الديمقراطي. وهو الذي أظهر فشلاً ذريعاً في القيادة، الأمر الذي ظل يبرّر كل المحاولات من أجل هزيمته وإقالته، ومع فشل كل هذه المحاولات، تبقى هزيمة ترامب انتخابياً الأمل الوحيد لخصومه. وقد جاء وباء انتشار فيروس كورونا ليشعل المعركة مجدّداً من أجل إظهار الفشل المضاعف لإدارة ترامب في التصدّي لانتشار هذا الوباء الذي انتقل من الصين إلى أوروبا، وخصوصاً إيطاليا وإسبانيا. والآن تحذّر منظمة الصحة العالمية من أن الولايات المتحدة ربما تكون مركز البؤرة المقبلة، بحكم انتشار عدد حالات الإصابة فيها بشكل كبير، مقارنة مع الدول الأخرى، وخصوصاً في ولايتي نيويورك وكاليفورنيا، وهما الكبريان من حيث عدد السكان، والأضخم تأثيراً اقتصادياً ومالياً.
تأخرت في الولايات المتحدة جهود الاستعداد لمواجهة الفيروس، وخصوصاً بعد أن رأت الإدارة سرعة انتشار الفيروس عالمياً، وغياب أي لقاح ضده، وبالتالي لمواجهته يجب أن تفرض إجراءات العزل الذاتية، وأحياناً الإجبارية ضد التجمّعات، وإغلاق كل مراكز التجمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والرياضية، والأهم القيام بالفحص بشكل عام وكبير، لقطاعات ضخمة من العينات التي توقع أو يتوقع إصابتها من أجل إقناعها بالعزل الذاتي، ومنع خروجها، لأنها قد تنقل العدوى إلى الآلاف، من دون أن تشعر بذلك.
تصبّ كل هذه الإجراءات بشكل كامل ضد طموح ترامب في النمو والإنعاش الاقتصادي الذي 
بنى كل شعبيته عليه. وبسبب غياب أية إنجازات يمكنه البناء عليها في مواجهة خصومه، يبدو الاقتصاد العماد الوحيد الذي يستند إليه في بناء شعبيته التي تأكلت بشكل كبير. وبالتالي، يأتي فيروس كورونا من حيث لا يتوقعه أحد، لتحطيم كل أرقام النمو الاقتصادي والحد من البطالة وإيجاد الفرص التي تفاخر بها ترامب يوماً بعد يوم، وهو اليوم يعيش حالة من الإنكار، وليس مستبعداً، كما رددت ذلك قناة فوكس نيوز أكثر من مرة، أنه يشعر بأن الفيروس مؤامرة من خصومه، من أجل إسقاطه والقضاء عليه سياسياً.
أدار ترامب الأزمة بشكل كارثي، فتصريحاته المتضاربة وتعليقاته غير العلمية زادت الشكوك في قدرته على التعامل مع أزمة من هذا الحجم. بالتأكيد ما خفّف من حجم الكارثة هو المؤسسات السياسية والمالية والصحية الأميركية التي تعرف ماذا تفعل، وبنيت على مدى عقود طويلة، تحضيراً لإدارة مثل هذا النوع من الكوارث، لكن الإدارة السياسية تبقى الأهم، وهو ما كان غائباً تماماً من ترامب ومسؤولي الإدارة الآخرين.
تزداد أعداد الضحايا من المواطنين الأميركيين بشكل مضطرد، على الرغم من أنه كان على الولايات المتحدة التعلّم من تجارب الصين وإيطاليا وإسبانيا قبلها، كما أن عدد المصابين يزداد بشكل أكبر مما توقّعت الإدارة نفسها، ولذلك يبدو صحيحاً ما قيل عن أن الفيروس يتحكم بالإدارة أكثر من تحكم الحكومة بمسار الفيروس والسيطرة عليه.
صحيح أن النظام الرئاسي، وثنائي الحزبية المعمول به في الولايات المتحدة، يجعلان من مسألة الصراع والانقسام السياسي أكثر حدّة، لكن التجربة الديمقراطية الأميركية أثبتت أن مؤسساتها في لحظة الأزمات تستطيع أن تتجاوز هذه الخلافات بشكل سريع وكبير، كما جرى في إقرار خطة التحفيز الاقتصادي بأكثر من تريليوني دولار، وهي أكبر خطة تحفيز في تاريخ الولايات المتحدة، وتتضمّن إعطاء شيكات للمواطنين الأميركيين بشكل مباشر، وخصوصاً الذين فقدوا أعمالهم بسبب إغلاق الفعاليات التجارية والاقتصادية.
لن يستطيع الديمقراطيون اليوم (أغلبية في مجلس النواب 235 مقابل 198 للجمهوريين، في حين يسيطر الحزب الجمهوري على الأغلبية في مجلس الشيوخ) طرح قضية عزل الرئيس مجدداً، لكنهم يوجهون أصابع الاتهام يومياً إلى فشله في إدارة أزمة كورونا سياسياً، ولا أحد يعرف إذا كانت هذه الأزمة هي من سيقرر مصير الساكن القادم في البيت الأبيض في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.