سورية: الفقر وغلاء الأسعار يسرقان بهجة عيد الدمشقيين

22 مايو 2020
الصورة
هذا العيد هو الأسوأ من 10 سنوات(لؤي بشارة/فرانس برس)
عيد الفطر على الأبواب، وتبدو دمشق مزدحمة كعادتها خلال النهار، خاصة أسواقها الرئيسية وحافلات النقل الجماعي التي تغصّ بالركاب، بعد أن مضت عدّة أسابيع، كانت العاصمة السورية فيها شبه خالية، من جرّاء الإجراءات التي اتخذتها حكومة النظام لمنع انتشار فيروس كورونا. في المقابل، لا تبدو فرحة العيد ظاهرة على الناس، فغالبيتهم يشكون غلاء الأسعار وضيق العيش.

اصطحبت أم زهير كيال أطفالها الثلاثة إلى السوق، تبحث لهم عن ثياب العيد، فالعيد للأطفال هو عبارة عن ملابس ولعبة جديدة، كما حكت لـ"العربي الجديد". وأضافت: "لكن عدنا إلى المنزل من دون أن نتمكّن من شراء أيّ شيء لهم. فالأسعار مرتفعة جداً وراتب زوجي، موظف الدولة، بالكاد يكفي لشراء احتياجات طفل واحد، فماذا أقول لبقيّتهم؟ كما لدينا التزامات أخرى تجاه عائلتي وعائلة زوجي".
وأضافت: "قد نستطيع أن نتجاوز الأطفال، لكننا لا نعرف كيف سنتجاوز أو نتجاهل عيدية والدي ووالدي زوجي. إذ نحن نحتاج لـ10 آلاف ليرة على الأقلّ لشراء أبسط هدية، وهذا المبلغ هو ربع راتب زوجي. حتى إنّنا كنّا نأمل أن يرسل لنا شقيق زوجي، اللاّجئ في أوروبا، مبلغاً من المال، لكن عمله ليس على ما يرام هذه الفترة، بسبب فيروس كورونا، حتى تحويل الأموال شبه متوقف".
كثر أيضاً من لم يفكّروا بزيارة محال الألبسة الجاهزة بسبب غلاء الأسعار، كحال أبو مجدي العطار مثلاً، العامل في ورشة للخياطة، وربّ الأسرة المكوّنة من أم وطفلين، عمر بكره 11 عاماً، والصغير خمس سنوات. قال أبو مجدي لـ"العربي الجديد": "عندما كنّا أطفالاً لم يكن وضع عائلتي المادي جيداً، لكننا كنّا نحصل على ثياب جديدة في العيد، وإن لم تكن من النوعية الفاخرة. لكن اليوم أنا عاجز عن شراء الثياب لأطفالي وزوجتي، ولو من محال بيع الألبسة المستعملة".
وتابع: "في الأمس، عندما دخلت مع أسرتي أحد محال بيع الألبسة المستعملة، شعرت أنّني أخطأت المحل. إذ بعدما كانت أسعار الملابس بمئات الليرات، أصبحت اليوم بالآلاف، والمضحك المبكي، عندما حاولت أن أسأل عن سبب غلاء الملابس المستعملة، أخذ صاحب المحل يحدّثني عن ارتفاع سعر صرف الدولار".


وأضاف: "أيّ عيد هذا، ونحن عاجزين عن شراء قطعة ثياب جديدة أو لعبة لطفل! كنت أتمنى أن أشتري لابني هذا العام دراجة هوائية، لكن يبدو أنّ هذه الدراجة ستكون حلماً مستحيل التحقيق، فثمن الدراجة يبدأ من 75 ألف ليرة (حوالي 146 دولارا)".

ولكي يكتمل العيد، لا بد أن تكون الحلويات العربية حاضرة على طاولات سكّان دمشق، بحسب أبو جمال المغربي (40 عاما)، صاحب دكان لبيع المواد الغذائية، الذي حكى لـ"العربي الجديد"، ذكرياته مع والده في سوق الميدان الشهير، في محال بيع الحلويات، حيث كان يصطحبه ليشتري حلويات العيد. إضافة إلى سهراتهم العائلية مع والدته التي تعدّ في المنزل كعك العيد، والمعمول المحشو بالجوز والعجوة".
 لا يستطيع المغربي أن يعيش تلك الذكريات الجميلة مع أبنائه وزوجته، إذ يقول: "أحاول ألا أمرّ اليوم بسوق الميدان، فهناك بعض أنواع الحلويات التي يعادل ثمن الكيلوغرام الواحد منها راتب موظف لشهر كامل. كالمبرومة مثلاً، وهي إحدى الحلويات الشامية الشهيرة، حتى  الحلويات الشعبية التي كان شراؤها في متناول الجميع، كالعوامة والمكرونة والمشبّك، وهي عبارة عن عجينة خاصة يتمّ وضعها بالزيت المغلي ومن ثم تُغمر بالقَطر، المصنوع من السكر والماء والقليل من ملح الليمون، أصبح ثمن الكيلوغرام الواحد منها 4 آلاف ليرة (حوالي 8 دولارات)، وهذا مبلغ كبير بالنسبة لمحدودي الدخل".

وأضاف: "اليوم، هناك عائلات تعيش على الخبز الحاف، ومنها من يضع إلى جانب الزعتر الماء بدلاً من الزيت. عائلات لم تعد تذكر طعم اللّحم والدجاج والفواكه والكثير من أنواع الخضار، حتى البصل، الذي كان حاضراً إلى جانب كثير من الأكلات الشعبية التي تعتمد على البرغل أو الفول أو الحمص، اختفى. هذا الترف لم يعد بمتناول الكثير من العائلات، بعدما أصبح ثمن كيلوغرام البصل الواحد ألف ليرة (حوالي دولارين)".
واستدرك قائلاً: "حُرمنا من عادة قديمة، وهي أن نجتمع أنا وإخوتي ونسائنا وأطفالنا على الغذاء في منزل والدي. بالطبع كان المكوّن الرئيسي لذلك الغداء هو اللّحم الأحمر أو الأبيض، والفواكه وحلويات العيد، وبعدها نعطي الأطفال العيدية، وهو مبلغ من المال، ليذهبوا إلى ساحة العيد حيث يتمّ نصب العديد من الألعاب الجماعية، مثل الأرجوحة والقلاب والقطار، وحتى كانت هناك أحصنة، وخيمة لألعاب الخفّة، إضافة إلى بعض الأطعمة الشعبية اللّذيذة كغزل البنات والتماري والمعروك. اليوم أصبحنا نكتفي بمعايدة بعضنا البعض على الهاتف، تجنباً للإحراج".
وعن حركة الأسواق والازدحام التي نشهدها هذه الأيام، قال أبو عمر الخوجة، صاحب محل لبيع الملابس الجاهزة في دمشق، لـ"العربي الجديد": "من يشاهد حركة الناس في الأسواق يظنّ أنّ حركة البيع بأفضل حال، لكن للأسف، هذا العيد هو الأسوأ في السنوات العشر الماضية، بل هو الأسوأ منذ بدأت العمل التجاري، قبل 30 عاماً. فالأسعار مرتفعة والناس ليست لديها القدرة على الشراء، حتى من وضعهم المالي مقبول، لم يعودوا قادرين على شراء الثياب إلاّ عند الضرورة".
ولفت إلى أنّ "الناس غالباً مصدومون بالأسعار، التي ترتفع بشكل يومي، حتى نحن كتجّار لم نعد نحتمل الارتفاع اليومي للأسعار. فقد بدأ رأس مالنا يتآكل ونحن لا نستطيع فعل شيء، فإن أغلقنا محلاتنا سنقطع بأرزاق من يعمل فيها، كما لدينا التزامات شهرية يجب أن نسدّدها. هناك من أقفلوا محالهم التجارية، بسبب قرار إغلاق الأسواق بسبب فيروس كورونا".