العلاقات الجزائرية الفرنسية: ما بعد الجماجم

05 يوليو 2020
الصورة
استعادت الجزائر الجمعة 24 من جماجم المقاومين (رياض قرامدي/فرانس برس)

خطت العلاقات الجزائرية الفرنسية خطوة مهمة على طريق حلحلة ملفات الذاكرة، والتي ظلت تُعرقل بشكل بالغ تقدّم وتطبيع هذه العلاقات. ويلعب صعود جيل جديد من الحكام في البلدين دوراً في تحقيق تقدم على هذا المستوى، لكن قراءات سياسية تضع التطورات الجديدة في هذا الملف أيضاً في سياق محاولة باريس إعلان حسن نوايا تجاه القيادة السياسية الجديدة في الجزائر، واستدراك أخطاء سياسية ارتكبتها في قراءة الواقع الجزائري ما بعد الحراك، وتسرعها في تعاملات خاطئة خلال الفترة التي تلته، ما أفرز ردود فعل حادة من قبل الجزائر.
وكشفت مصادر جزائرية مسؤولة، لـ"العربي الجديد"، عن أن اتصالات متقدمة تجري بين باريس والجزائر لترتيب عقد اجتماع اللجنة الكبرى الجزائرية الفرنسية، برئاسة رئيسي حكومتي البلدين، يرتقب أن يُعقد في باريس قبل نهاية الشهر الحالي، قبل زيارة متوقعة سيقوم بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى العاصمة الفرنسية، بدعوة من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، مباشرة بعد نهاية أزمة وباء كورونا.
وذكرت المصادر أن موعد الاجتماع سيتم تحديده مباشرة بعد استكمال تشكيل الحكومة الفرنسية الجديدة، بعد استقالة إدوار فيليب. وسيشهد الاجتماع إعادة ترتيب شامل للعلاقات بين البلدين على ضوء التطورات الجديدة، وكذلك حل بعض الملفات العالقة، ولا سيما ما يتصل بقضايا الذاكرة، وكذلك تجاوز الأزمة السياسية والدبلوماسية الأخيرة التي دفعت الجزائر إلى استدعاء السفير الفرنسي، للمرة الأولى منذ عام 1995، وسحب مؤقت للسفير الجزائري من باريس بسبب الحملة الإعلامية الفرنسية ضد الجزائر.

كل المعطيات تؤشر إلى أن فرنسا تريد استرجاع التوازن في العلاقة مع الجزائر من خلال حلحلة ملف الذاكرة

 

ويستفيد الاجتماع الجزائري المرتقب والرفيع المستوى من تطور مهم، يتعلق بانفراج في ملف جماجم المقاومين الجزائريين، الذين كانوا في متحف بباريس، وتسلمتهم الجزائر الجمعة الماضي. واستعادت الجزائر 24 من جماجم المقاومين، من بينها تلك العائدة إلى زعيم مقاومة واحة الزعاطشة قرب بسكرة الشيخ أحمد بوزيان وابنه موسى، ومحمد بن الأمجد المعروف بـ"الشريف بوبغلة" ورفيق دربه في المقاومة المشتركة سي قويدر التيطراوي وعدد آخر من المقاومين لم تذكر أسماؤهم. ويشكّل هؤلاء المقاومون عيّنة من قادة المقاومات الشعبية الكبرى الـ46، التي شملت كافة ربوع الجزائر، قبل اندلاع ثورة الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 1954 التي أنهت الوجود الاستعماري في الجزائر.

 


وبغض النظر عن الحسابات الفرنسية في التخلي أخيراً عن الجماجم، وإعادتها إلى الجزائر، وما إذا كان ذلك ينطوي على إرادة جدية لحكّام باريس في إغلاق تصفية ملف الذاكرة المعطّل للعلاقات مع بلد حيوي مثل الجزائر، وفي المقابل محاولة السلطة الجزائرية استثمار هذا المنجز الرمزي لصالح تبون بعد ستة أشهر فقط من فترة حكمه، إلا أن الطرفين لديهما الآن قاعدة ثقة يمكن على أساسها ضخ رؤية جديدة لهذه العلاقات، لا سيما أن المصالح الاقتصادية والتجارية، وأبعاداً سياسية وثقافية واجتماعية، تتدخل في هذا الملف، بينها وجود أكثر من ستة ملايين جزائري في فرنسا، ورغبة باريس في عدم خسارة مصالحها في الجزائر، حيث تواجه منافسة من شركاء اقتصاديين، كألمانيا والصين التي أصبحت الشريك الاقتصادي الأول للجزائر بدلاً من فرنسا، وتركيا التي أزاحت فرنسا وباتت المستثمر الأول في الجزائر.
وتذهب قراءات سياسية إلى اعتبار تسليم جماجم المقاومين للجزائر، محاولة سريعة من باريس لاستدراك أخطاء نتجت عن قراءة خاطئة لمعطيات الواقع الجزائري ما بعد الحراك الشعبي، وسوء تقدير الموقف. وقد دفع هذا الأمر بمسؤولين فرنسيين، بينهم ماكرون ووزير الخارجية جان إيف لودريان، إلى إطلاق تصريحات عما يتوجب على السلطة الجزائرية فعله، خلال فترة الحراك الشعبي وما بعده، والموقف من الجيش الجزائري، وتعليق ماكرون على نتائج الانتخابات الرئاسية الجزائرية، التي جرت في ديسمبر/كانون الأول الماضي، وقال فيها "أخذنا علماً بفوز تبون"، وهو تصريح اعتبر غير لائق، إضافة إلى ما تلى ذلك من حملة إعلامية مركزة ضد الجزائر انتهت بأزمة دبلوماسية، وكذا الخلافات حول الأزمة الليبية.

صعود حكّام جدد في باريس مكّن من تغيير دفة العلاقات مع الجزائر، لا سيما في العلاقة بملف الاستعمار


ورأى رئيس مجلس الشورى السابق لحركة "مجتمع السلم"، عبد الرحمن سعيدي، في تصريح، لـ"العربي الجديد"، أن "كل التصريحات الجزائرية والفرنسية قبل الحراك وبعده، ومع الانتخابات الرئاسية وبعدها، كانت تؤشر لوجود توتر، وأن هذا النوع من الملفات قد لا تكون له مخارج على المدى القريب والمتوسط. لكن توتر العلاقات بين البلدين بسبب الحملات الفرنسية غير الرسمية في الإعلام، والرسمية أحياناً، وتطورات الملف الليبي، واختلاف وجهات النظر بشأن الأزمة، والعامل التركي وتقاربه مع رؤية الجزائر في الشق السياسي، بخلاف الشق العسكري، كل ذلك أدى إلى خشية فرنسية من فقدان التوازن في الملف، وخسارة الموقف في العلاقة مع الجزائر". وأضاف "كل المعطيات تؤشر إلى أن فرنسا تريد استرجاع التوازن في العلاقة مع الجزائر من خلال حلحلة أبرز الملفات، وهو ملف الذاكرة، واسترجاع الجماجم خطوة أولى، على الرغم من أننا لا نعرف ما إذا كانت ستتبعها خطوات أخرى". وذهب سعيدي إلى نقطة مهمة تخص استفادة تبون من الخطوة لصالحه، لأنه "كان يحتاج إلى قفزة تخرجه من فقدان الوزن السياسي في الفترة الأخيرة، بسبب غياب الانسجام بين الشعارات التي رفعت في الجزائر والواقع، من حيث أن تبون جلب ما عجز عنه سابقوه من حكام الجزائر".
خارج هذه القراءة السياسية، يؤكد محللون في الجزائر أن ملف الذاكرة حاكم قوي في منحى العلاقات بين البلدين. ورأى الكاتب السياسي والنائب السابق محمد بوعزارة، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن صعود حكّام جدد في باريس مكّن من تغيير دفة العلاقات مع الجزائر، لا سيما في العلاقة بملف الاستعمار. وأضاف "ما من شك بأن ملف الذاكرة المطروح بين الجزائر والقوة الاستعمارية السابقة فرنسا يشكل أحد العناصر التي كانت تُعكر الأجواء السياسية بين الجزائر وباريس منذ الاستقلال قبل 58 عاماً، إذ كانت قيادات الصف الأول في منظومة الحكم الفرنسي، ومن ورائها بعض القادة العسكريين، تقف ضد كل محاولة لفتح هذا الملف الذي يكشف عار هؤلاء بالجزائر على امتداد 132 عاماً من الجرائم البشعة التي ارتكبت بحق الشعب الجزائري، وعمليات الإبادة الممنهجة والنهب التي طاولت خيرات هذا الوطن المخضب بدماء الشهداء".
واعتبر أن "ظهور جيل جديد في منظومة الحكم الفرنسي، بقيادة ماكرون الخالي من عقد الماضي الاستعماري، وإصرار المسؤولين الجزائريين، وعلى رأسهم تبون، على ضرورة ربط ملف الذاكرة بمجمل القضايا العالقة مع فرنسا، كانا من بين العوامل التي مكنت من إعادة جماجم هؤلاء الأبطال". وأشار إلى أن "استرجاع الجماجم، كمنجز تاريخي، يدفع الحكومة الجزائرية إلى العمل لحلحلة باقي ملفات الذاكرة العالقة بين الجزائر وفرنسا، على غرار ملف التفجيرات النووية في الصحراء وحقول الألغام والأرشيف الوطني الموجود في باريس والمفقودين وغيرها، وصولاً إلى إقرار كلي من الدولة الفرنسية بجرائم الاستعمار والتعويض". وقال "هذا الحدث سيمهد لاستكمال بقية النقاط وملفات الذاكرة العالقة، والتي لا يجب أن تتوقف عند استعادة (جماجم) هؤلاء القادة، ولكن بالاعتراف الكلي لفرنسا بجرائمها المتعددة الأشكال، من حرب إبادة جماعية واغتصاب لثروات هذا الوطن، والتي تقدر بالمليارات، وأعني به ملف التعويضات".
وربط بوعزارة الحديث عن استقرار نهائي للعلاقات الجزائرية الفرنسية، بإعلان باريس الاعتراف الكامل بجرائم الاستعمار في الجزائر. وقال "عندما تعترف فرنسا الرسمية بباقي النقاط التي يطالب الشعب الجزائري بها لاسترداد حقوقه، على غرار ما قامت به ألمانيا من تعويضات لليهود في ما يعرف بالمحرقة، فإننا نستطيع حينها أن نقول إن هناك تحولاً قد حدث في الموقف الرسمي الفرنسي، بما يجعل علاقات فرنسا مع الجزائر تنتقل من عقدة الهيمنة إلى مجال الشريك الفاعل في منظور العلاقات الإقليمية والدولية لما بعد الحراك الشعبي".