العالم يراهن على تخفيف قيود الاقتصاد لوقف نزيف الوظائف

15 مايو 2020
الصورة
فتح الاقتصاد تدريجياً خوفا من موجة تفشٍّ ثانية(Getty)
وقع العالم بين سندان تفشي فيروس كورونا ومطرقة إغلاق الاقتصاد لمواجهة الوباء. لم ينجح العالم كليا في مواجهة الجائحة، لكن حجم خسارة الاقتصادات كان الأكبر منذ الكساد العالمي الكبير في عشرينيات القرن الماضي.

من التداعيات الخطيرة لتفشي الفيروس وإغلاق الاقتصاد البطالة الكلية أو الجزئية التي أصابت الملايين في العالم لتضيف إلى أرقام البطالة المرتفعة بالأساس طوفانا جديدا من العاطلين.
يعرف العالم جيدا أن فتح الاقتصاد سيكون الحل الأمثل لمواجهة البطالة، لكن صانعي القرار يعلمون أن الإلغاء السريع للقيود سيؤدي إلى موجة ثانية من الفيروس وربما تكون أقسى من الأولى، لذا كانت الدعوات لفتح تدريجي، مع تكثيف أبحاث ودراسات اكتشاف علاج أو لقاح للوباء في أسرع وقت مممكن، حتى ينتعش الاقتصاد مرة أخرى.
وتوقعت الأمم المتحدة، الخميس، أن تؤدي جائحة كورونا إلى خسارة الاقتصاد العالمي خلال عامي 2020-2021 نحو 8.5 تريليونات دولار.

وأفاد تقرير صادر من إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة وفقا لوكالة "الأناضول"، بأن التوقعات تشير إلى انكماش الاقتصاد العالمي بنسبة 3.2 بالمائة بسبب كورونا، وأنه من المتوقع أن يكون المعدل 5 بالمائة في البلدان المتقدمة، و0.7 بالمائة في الناشئة.


وأضاف التقرير أن الانكماش المتوقع يمكن أن يمحو المكاسب الاقتصادية للسنوات الأربع الماضية، وأشار إلى أن الفيروس تسبب في أزمة صحية واقتصادية غير مسبوقة، لافتا إلى أن قيمة التدابير التي اتخذتها الحكومات على مستوى العالم في مكافحته بلغت حوالي 10 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي العالمي.

أرقام غير مسبوقة

أدى تفشي الفيروس وقرارات إغلاق الاقتصاد إلى أرقام غير مسبوقة في عدد العاطلين عالميا، مع توقعات بزيادة هذا العدد في حال استمر الإغلاق خلال العام الجاري.
ففي أقوى اقتصاد في العالم، تقدم ما يقرب من 3 ملايين عامل أميركي من المسرحين بطلبات للحصول على إعانات البطالة في الولايات المتحدة الأسبوع الماضي، حيث أدى تفشي الفيروس إلى قيام مزيد من الشركات بتقليص الوظائف على الرغم من أن معظم الولايات الأميركية بدأت في السماح بإعادة فتح بعض الأعمال التجارية تحت قيود معينة.
وقالت وزارة العمل الأميركية يوم الخميس إن ما يقرب من 36 مليون شخص حتى الآن قدموا طلبات للحصول على إعانات من البطالة في الولايات المتحدة في الشهرين منذ أن أجبر الفيروس التاجي الملايين من الشركات على إغلاق أبوابها وتقليص العمالة.
وخلال شهر نيسان/إبريل الذي شهد أولى تداعيات أزمة تفشي فيروس كورونا على أكبر قوة اقتصادية في العالم، تم إلغاء 20.5 مليون وظيفة، وهو رقم غير مسبوق في فترة قصيرة كتلك، وفقا لوكالة "فرانس برس".
وارتفعت نسبة البطالة إلى أعلى معدلاتها منذ 80 عاما وسجّلت 14.7 بالمائة، علما أن نسبة العاطلين من العمل في الولايات المتحدة كانت في شهر شباط/فبراير عند أدنى مستوى لها منذ 50 عاما (3.5 بالمائة).
والأسبوع الماضي، حذّر مصرف إنكلترا المركزي من أن الشلل الاقتصادي قد يتسبب بأسوأ ركود تواجهه بريطانيا منذ قرون، إذ يتوقع أن يتراجع الناتج بنسبة 14 في المائة هذا العام.
وأعلن المكتب الوطني البريطاني للإحصاء الأربعاء أن المملكة المتحدة سجلت انخفاضا في إجمالي الناتج المحلي نسبته 2 بالمئة في الربع الأول من العام الجاري بسبب الصدمة الاقتصادية الناجمة عن فيروس كورونا.

وتبدو توقعات الربع الثاني قاتمة جدا والأسوأ من الفصل الأول حيث من المتوقع حدوث ارتفاع كبير في معدل البطالة.
وتدعم الخطة الحكومية في بريطانيا 7.5 ملايين وظيفة بما يضمن حصول الموظفين على 80 بالمائة من رواتبهم الشهرية حتى 2500 جنيه إسترليني (3100 دولار أو 2800 يورو).
وقال الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر الخميس إن معدل البطالة ارتفع إلى 9.2 بالمائة في الفترة من نهاية مارس/ آذار إلى نهاية إبريل/ نيسان بسبب جائحة فيروس كورونا.
وقال المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية إن إجراءات العزل العام على مستوى البلاد في فرنسا، والتي بدأت في 17 مارس/آذار، قلصت عدد أولئك الذين يُصنفون عادة كعاطلين إذ إنها جعلت من المستحيل أن يبحثوا عن عمل.
وأعلن رئيس البنك المركزي السويسري توماس جوردان، في مقابلة نشرتها عدة وسائل إعلام سويسرية الأحد، أن فيروس كورونا يكلف الاقتصاد السويسري نحو 16 مليار يورو شهريًا.
وقال توماس جوردان إن "علينا العودة إلى أزمة النفط في السبعينيات لنجد مثل هذا الانهيار في النمو"، مشيرا إلى أن "الاقتصاد السويسري يعمل حاليًا بنسبة 70 إلى 80 بالمائة من مستواه الطبيعي".
واعتبر رئيس البنك الوطني السويسري أن تأثير التدابير المتخذة للحد من انتشار الفيروس ينطوي على تكاليف "باهظة" بقيمة "من 11 إلى 17 مليار فرنك سويسري (10,4 إلى 16,1 مليار يورو) شهريا".
وحذر جوردان من تضخم الدين العام وتكاليف التأمين ضد البطالة والمنح المقدمة للشركات من اجل مساعدتها على الاستمرار بنشاطها، مما دفع سويسرا للوقوع في عجز كبير هذا العام.

وقدرت صحيفتا "لوماتان دو ديمانش" و"سونتاغز زيتونغ"، الأحد، أن سويسرا ستضطر إلى إنفاق ما مجموعه 100 مليار فرنك سويسري للتخفيف من آثار الأزمة الصحية.
وأشارتا إلى أن البطالة في نيسان/إبريل زادت بنسبة 43 بالمئة بالمقارنة مع الشهر نفسه من عام 2019، وأن حوالي مليوني شخص من أصل 8.5 ملايين نسمة يتلقون منحة البطالة الجزئية.

إجهاد شبكات الأمان

وفقا لوكالة "أسوشييتد برس"، فإن الجائحة أجهدت شبكات الأمان الاجتماعي في جميع أنحاء العالم، ففي أوروبا، فرض انهيار النشاط الاقتصادي إطلاق برامج دعم أجور تحمي ملايين الأشخاص في الوقت الحالي.

في المقابل، تقدم أكثر من 33.5 مليون شخص في الولايات المتحدة بطلبات للحصول على إعانات بطالة، وارتفع معدل البطالة إلى 14.7%.
فقد مرر الكونغرس حزمة بقيمة تريليوني دولار من الدعم في حالات الطوارئ، ما عزز إعانات بطالة تصل إلى 1200 دولار لكل دافع ضرائب.
وتعتمد أوروبا على برامج تضخ أموال في جيوب الناس. من ناحية أخرى، بينما تعتمد الولايات المتحدة على اتخاذ الكونغرس إجراءات من خلال تمرير برامج تحفيز طارئة، كما فعلت عام 2009 خلال عهد الرئيس باراك أوباما، والحزمة المعتمدة مؤخرا في عهد الرئيس دونالد ترامب.
وقال الخبير الاقتصادي أندريه سابير، وهو أستاذ زميل في معهد بروغل للأبحاث ببروكسل لـ"أسوشييتدبرس"، إن سياسة الميزانية في الولايات المتحدة تلعب جزئياً الدور الذي يلعبه نظام الرعاية في أوروبا، لأن نظام الرعاية الأميركية أقل سخاء، وقد يكون الركود أكثر قسوة على العمال.
في فترات الركود الاقتصادي، قد يفقد الموظفون الأميركيون تأمينهم الصحي إذا فقدوا وظائفهم، كما أن هناك خطرًا أكبر بفقدان المنازل من خلال رهنها.
من ناحية أخرى، عادة ما يدفع الأوروبيون ضرائب أعلى، ما يعني أنهم يكسبون أقل في الأوقات الجيدة، وقال سابير: "في الولايات المتحدة، يجب الاستمرار في ضخ الأموال في الاقتصاد حتى يستمر الناس في العمل، لأنه من خلال العمل تتم حمايتهم.

فتح الاقتصاد تدريجيا

بدأت بعض الدول في فتح الاقتصاد تدريجيا لوقف نزيف الخسائر وفي ذات الوقت لمنع موجة ثانية من تفشي فيروس كورونا، على أمل أن يتم اكتشاف علاج أو لقاح للفيروس قبل نهاية العالم الحالي حتى يعود الاقتصاد للانتعاش كليا العام المقبل.
ولفت رئيس المركزي السويسري توماس جوردان إلى أنه "من المنطقي أن يبدأ فك الإغلاق التدريجي الآن"، مشدداً على أن أنظمة التعليم والصحة والتقاعد في سويسرا "تعتمد على استقرار اقتصادنا".


يقول تيم غريسكي، كبير مخططي الاستثمار لدى إنفرنس كاونسل في نيويورك لوكالة "رويترز" إن "من يدفعون السوق الأميركية (البورصة) للارتفاع يرون أننا سنحصل على لقاح خلال وقت مناسب وأن الاقتصاد لن ينهار وأن البطالة لن تقفز كثيرا".
ومساء الأربعاء، أبدى وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين "تعاطفه" مع الشركات الأميركية والعمال الأميركيين الذين يعيشون ظروفا صعبة.
وصرّح لشبكة "فوكس نيوز" الإخبارية الأميركية "أعتقد أننا نبذل كل ما باستطاعتنا لإعادة بناء اقتصادنا، وأعتقد أننا سنعيد بناء هذا الاقتصاد".
وأكد أن الحكومة ستعيد تفعيل عجلة الاقتصاد بشكل تدريجي، ثم أضاف: "ليس الأمر مفاجئا. عندما تغلق الاقتصاد بشكل تام، فإنك تتسبب بخسارة وظائف على نطاق واسع. وعندما تعيد فتح الاقتصاد، ستعيد خلق هذه الوظائف".
سلوفينيا أول دولة أوروبية تعلن انتهاء وباء فيروس كورونا