12 اغسطس 2020

بات العالم على مقربة أكثر من أي وقت مضى من أزمة قد تشل الاقتصاديات والأسواق الكبرى، وبات كذلك على بعد خطوات قليلة من أزمة تكاد تعصف بأبرز اقتصادات العالم، وفي مقدمتها الأميركي والبريطاني والياباني والفرنسي والإيطالي والأرجنتيني والإسباني وغيرها.

وبات الانكماش هو السمة الأبرز لتلك الاقتصادات التي أصبحت تعاني من مشاكل مالية ضخمة، وخسائر حادة، ونزيف متواصل، ونقص في السيولة بسبب تبعات وتحديات أزمة كورونا.

وبدلاً من أن يشق العالم طريقه نحو التعافي وتحسين معدل النمو الاقتصادي وزيادة فرص العمل والإنتاج والصادرات الخارجية بعد فترة كورونا العصيبة وقرارات الإغلاق الجماعية للأسواق والحدود، بات يشق طريقه سريعا نحو الوقوع في فخ أزمتي الكساد والركود، وربما الغرق في وحل الانكماش الذي يؤدي إلى حدوث تراجع شديد لأوجه النشاط الاقتصادي.

انكماش تصاحبه مظاهر خطيرة، منها قلة الطلب على السلع والخدمات، وتراجع القدرة الشرائية للمستهلك، وبالتالي إغلاق المصانع والشركات وربما افلاسها، وتدني السيولة النقدية المتاحة للأسواق بسبب عجز المصارف المركزية للدول عن ضخ المزيد من الأموال، وزيادة الدين العام.

المؤشرات الأخيرة الصادرة عن الدول الكبرى تؤكد ذلك، فأمس الأربعاء دخلت بريطانيا رسمياً في حالة من الركود بعدما شهد سادس أكبر اقتصاد في العالم انكماشاً تاريخياً بنسبة تتجاوز 20% خلال الربع الثاني من 2020، وهذا المعدل هو الأسوأ في تاريخ المملكة المتحدة.

وقبلها بيوم واحد، كشفت الأرقام عن تراجع معدل التوظيف في بريطانيا خلال الربع الثاني المنتهي في شهر يونيو/ حزيران 2020، لأدنى مستوى منذ عقد، بسبب زيادة البطالة وتراجع الطلب على التشغيل الناجم عن التبعات الخطيرة لتفشي كورونا.

وهذا أمر خطر للاقتصاد، وخاصة أن التراجع هو الأدنى مستوى منذ 11 عاماً، وأن فرص العمل من المؤشرات المهمة لنمو أي اقتصاد.

الوضع كان أسوأ في الولايات المتحدة، حيث دخل الاقتصاد الأميركي، الأكبر في العالم، لمرحلة الركود رسميا، بعدما تراجع إجمالي الناتج المحلي بنسبة 32.9% خلال الربع الثاني من العام.

والملفت أن هذا الاقتصاد الضخم لم يسجل انخفاضا بهذه النسبة الكبيرة حتى خلال فترة الكساد الكبير (1929-1939)، وخاصة أنه يعد أكبر انخفاض على الإطلاق في تاريخ البلاد.

وصاحب حالة الانكماش الحادة تلك زيادة حالات الإفلاس في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوياتها في 10 سنوات خلال العام الجاري، مع معاناة الشركات من تداعيات فيروس كورونا.

تكرر المشهد في فرنسا، حيث انكمش اقتصادها بمعدلات قياسية لم يشهدها منذ الحرب العالمية الثانية في 1945 وبنسبة بلغت 13.8% في الربع الثاني من العام الجاري، حيث انهار الاستهلاك والاستثمار والتجارة في ظل إجراءات العزل العام الهادفة لاحتواء الجائحة.

ودخل الاقتصاد الإسباني في حالة ركود في الفصل الثاني من العام الجاري 2020 مع تراجع إجمالي الناتج الداخلي للبلاد بنسبة 18.5%، وبذلك يكون رابع اقتصاد في منطقة اليورو قد سجل تراجعاً لفصلين متتاليين في إجمالي الناتج الداخلي الذي تدهور بنسبة 5.2% في الربع الأول من العام الحالي.

وتكرر الأمر في إيطاليا، حيث أكدت بيانات رسمية تراجع الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني من العام الجاري بنسبة 12.4% مقارنة بالربع الأول من العام، بالتزامن مع إجراءات الإغلاق الرامية لاحتواء جائحة كورونا.

وامتدت حالة الانكماش تلك إلى اقتصاديات كبرى أخرى منها الاقتصاد الألماني حيث سجل إجمالي الناتج المحلي تراجعا قياسيا وصل لسالب 10.1 في المائة، خلال الربع الثاني من العام الجاري 2020، وذلك بسبب توقف المصانع عن الإنتاج، وسفن الشحن عن تحميل البضائع، وتجميد أنشطة المعارض التجارية واغلاق المطاعم والمحال أبوابها. ولم يحدث قط في تاريخ ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية أن انهار اقتصاد البلاد بهذا القدر.

العالم يشهد مرحلة ركود اقتصادي جماعية دفعت صندوق النقد الدولي إلى وصفها بأنها الأسوأ لاقتصاد العالم منذ عام 1929، الذي شهد الكساد الكبير.

والتغيرات السريعة تلك ستغير، ليس فقط الخريطة الاقتصادية العالمية، بل الخريطة السياسية أيضا، وربما يظهر ذلك في نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة المقررة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، وعودة التوتر بين أكبر اقتصادين في العالم، الأميركي والصيني، وربما سقوط حكومات، وإفلاس دول واندلاع ثورات شعوب.