الطنطاوي تحت رحمة البرلمان المصري: مخاوف من حجم التنكيل

07 نوفمبر 2019
الصورة
الموالون في المجلس قادرون على عزل الطنطاوي(محمد مصطفى/Getty)


كشفت مصادر برلمانية في حزب "مستقبل وطن" (ممثل الأغلبية في مجلس النواب المصري)، أن هيئة مكتب البرلمان اتخذت قراراً بإحالة النائب أحمد الطنطاوي إلى لجنة القيم، للتحقيق معه في واقعة نشره فيديو على موقع "يوتيوب"، يهاجم فيه مؤسسات ورموز الدولة المصرية، تمهيداً للبدء في إجراءات التصويت على إسقاط عضويته خلال الشهر الحالي. وادّعت المصادر لـ"العربي الجديد"، أن الطنطاوي متورط في القضية المعروفة إعلامياً بـ"تحالف الأمل"، والمحبوس احتياطياً على ذمة تحقيقاتها مدير مكتبه أحمد عبد الجليل الغنام، باتهامات تتعلق بـ"ضرب الاقتصاد الوطني" و"استهداف مؤسسات الدولة"، مرجحة القبض على عضو البرلمان فور اتخاذ مجلس النواب قراراً بإسقاط عضويته بأغلبية ثلثي أعضائه.

وتضم القضية رقم 930 لسنة 2019، التي يواجه فيها ناشطون ليبراليون ويساريون تهماً بتكوين تحالف سياسي تحت اسم "الأمل"، أربعة من أصدقاء الطنطاوي المقربين، والعاملين معه في مكتب خدمة المواطنين من أهالي دائرته بمحافظة كفر الشيخ، تحت مزاعم "مشاركتهم جماعة إرهابية في تحقيق أهدافها"، و"ارتكاب جريمة من جرائم تمويل الإرهاب" و"نشر أخبار كاذبة". وأشارت إلى أن أعضاء الأغلبية داخل البرلمان "صبروا" كثيراً على الطنطاوي، الذي وجّه لهم انتقادات عنيفة في مواقف عدة، محمّلة إياه مسؤولية تبعات رفع حدة هجومه على الدولة ومؤسساتها، في ضوء حالة الترحيب لتصريحاته الأخيرة على القنوات الفضائية (المعارضة) التي تبث من الخارج، و"تستهدف إسقاط الدولة المصرية تحقيقاً لأهداف جماعة الإخوان الإرهابية"، حسب قول المصادر.

واستدركت المصادر قائلة إن "رئيس البرلمان علي عبد العال لم يكن راغباً على مدار الفترة الماضية في اتخاذ إجراء تصعيدي ضد الطنطاوي، أو غيره من أعضاء تكتل (25-30) المعارض لبعض سياسات النظام، لأنه يتحدث دائماً في زياراته الخارجية ولقاءاته مع الوفود الأجنبية عن أن البرلمان لديه تكتل معارض، في محاولة للتأكيد أن المجلس الحالي هو برلمان ديمقراطي، ولا ينتمي جميع أعضائه إلى الأغلبية". وتابعت قائلة إن الطنطاوي هو استنساخ واضح لنموذج حمدين صباحي، الذي "حُرق" لدى الرأي العام كغيره من "رموز الفوضى"، حسب تعبير المصادر التي أردفت: "كل محاولات إشعال المواطنين لدفعهم للنزول إلى الشارع ستفشل مجدداً، لأن الشعب تعلم من درس (ثورة) 25 يناير/كانون الثاني 2011، ولن يُعيد هذه التجربة مرة أخرى، لأنه بات يبحث عن الأمن والاستقرار في المقام الأول". ورحّبت "الحركة المدنية الديمقراطية" (تكتل يجمع أحزاباً وشخصيات سياسية معارضة) بالتوجهات الإصلاحية العامة لمبادرة الطنطاوي، مشيرة إلى ضرورة مناقشة ما طرحته من آليات عبر حوار مباشر ومجتمعي واسع، في ضوء توافق بعضها مع ما أطلقته الجمعية العمومية للحركة من برنامج يتكون من عشر نقاط للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد.



في السياق ذاته، قال مصدر مطلع في تكتل (25-30)، إن ظهور الطنطاوي في شريطين نُشرا أخيراً لطرح مبادرته للحوار الوطني، لم يكن بتنسيق مع أعضاء التكتل، بل كانت محاولة فردية منه في ظل الحصار الإعلامي الذي يتعرض له المعارضون للسلطة الحاكمة، مبيناً أن هناك تخوفات حقيقية لدى التكتل من إمكانية اعتقاله عقب الشروع في إجراءات التصويت على إسقاط عضويته. وأوضح المصدر في حديث خاص، أن جميع بنود مبادرة الطنطاوي هي اجتهاد شخصي منه، في محاولة لحلحلة الأزمات القائمة في مصر، مشيراً إلى أن الفيديو الأخير سُجل في منزل عائلته في محافظة كفر الشيخ، ولاقى حالة واسعة من الترحيب بين أطياف المعارضة على اختلاف توجهاتها، خصوصاً أن حديثه بدا هادئاً وعقلانياً، ويتضمن أطروحات قابلة للنقاش في حوار مجتمعي بناء. وشملت مبادرة الطنطاوي تشكيل 12 لجنة برلمانية لإحداث حالة من الحوار الوطني، حيال المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها البلاد، وتخلي الرئيس عبد الفتاح السيسي عن الحكم طوعاً في عام 2022، والدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة لا يكون مرشحاً فيها أو منافساً، التزاماً منه بالتعهد الذي قطعه على نفسه مراراً بعدم الاستمرار في الحكم لأكثر من دورتين رئاسيتين.

وأفاد المصدر بأن أحزاب الموالاة داخل البرلمان تملك أغلبية تزيد على الثلثين، وتضغط حالياً على رئيس البرلمان للإسراع في إجراءات رفع الحصانة النيابية عن الطنطاوي، إيذاناً بإدراجه على قضية "تحالف الأمل"، والتي تضم عدداً كبيراً من السياسيين المعارضين، والذين يحاكمون لمجرد "تفكيرهم" في تدشين تحالف سياسي لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة. ورجح المصدر إمكانية تكرار سيناريو اعتقال رئيس حزب "الغد" السابق، أيمن نور، مع الطنطاوي خلال الأسابيع القليلة المقبلة، موضحاً أن الأول اعتقل أمام بوابات مجلس الشعب (مجلس النواب حالياً)، فور اتخاذ المجلس قراراً برفع الحصانة البرلمانية عنه عام 2005، للتحقيق معه في واقعة اتهامه آنذاك بتزوير توكيلات منسوبة لمؤسسي الحزب. ونفى المصدر أن يكون الطنطاوي يناور النظام من أجل الحصول على بعض المكتسبات، باعتبار أن الدورة البرلمانية على وشك الانتهاء، خاتماً "على العكس، هو مخلص لأفكاره وقناعاته، وإن كان يجيد المساومة، فهو يساوم الشعب المصري وحده، لأنه يعلم جيداً أنه صاحب الأرض والسيادة في هذا الوطن، وأن من يدير منظومة الحكم حالياً إلى زوال".

وسبق أن أوصت لجنة القيم في البرلمان بحرمان الطنطاوي من حضور الجلسات العامة لدور انعقاد كامل، بداية من أكتوبر/تشرين الأول 2017 إلى يونيو/حزيران 2018، وهي العقوبة التي لم تنفذ لعدم تصويت البرلمان عليها، على خلفية إلقائه "الميكروفون" من أمام رئيس الجمعية الجغرافية المصرية، خلال جلسات تمرير اتفاقية تنازل مصر عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية. وقال مصدر مطلع لـ"العربي الجديد"، إن وساطات برلمانية قادها النائب ضياء الدين داوود من تكتل الأقلية، والنائب صلاح حسب الله من ائتلاف الأغلبية، حالت دون التصويت على عضوية الطنطاوي آنذاك، في وقت لوّح فيه رئيس البرلمان مراراً للنواب المعارضين لقراراته بالتصويت على إسقاط عضويتهم، واستعجاله تقارير لجنة القيم بشأن مخالفات منسوبة لهم في محاولة لإسكاتهم. وشدد الطنطاوي في مبادرته على أن "العدول عن تعديلات الدستور هو الضمانة لتجنيب البلاد خطر الانجرار إلى مسارات لا يتحملها الوطن، باعتبار أن التحول الديمقراطي هو السبيل لاستقرار البلاد، لا الاستقرار المبني على الإكراه، وإخضاع شرائح واسعة من المواطنين لسلطة بعينها على غير رغباتها، بما يدفع الكثير منهم إلى خيارات لا يوجد داع للمخاطرة بها في المرحلة الراهنة".

وقال رئيس البرلمان تعليقاً على المبادرة، إن "من يتناول القيادة السياسية بالسلب لا مكان له على أرض مصر، لأن هناك خطوطاً حمراء في هذا البلد لا يجب المساس بها على وجه الإطلاق"، مدعياً أن هناك ممارسات تقع تحت دائرة التجريم في كثير من الحالات، ومنها انتقاد التعديلات الدستورية التي شهدت حواراً مجتمعياً أقر بنزاهته الداخل والخارج معاً". وكان الطنطاوي قد هاجم السيسي في 16 إبريل/نيسان الماضي، على هامش تصويت البرلمان على التعديلات الدستورية، قائلاً: "على المستوى الشخصي، أنا لا أحب الرئيس السيسي، ولا أثق فيه، وغير راض عن أدائه، والتعديلات الدستورية هدفها أن يتنافس القضاء على حبه"، ما أغضب عبد العال حينها، ودفعه للقول: "هذا الحديث يُحذف من مضبطة الجلسة".

وقال الطنطاوي منتقداً التعديلات الهادفة لاستمرار السيسي في الحكم حتى عام 2030: "هذه التعديلات شديدة الخبث، واستهدفت إعفاء الرئيس الحالي من مواجهة الناخبين لمدة عامين إضافيين، من خلال تأجيل الانتخابات الرئاسية إلى عام 2024، حتى تتزامن مع إلغاء الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات، لانقضاء مهلة العشر سنوات التي نص عليها الدستور للإشراف القضائي". وفي فبراير/شباط 2017، أسقط مجلس النواب عضوية رئيس حزب "الإصلاح والتنمية" محمد أنور السادات، بعد إحالته إلى لجنة القيم على عجل، بدعوى تسريبه مسودة قانون "الجمعيات الأهلية" إلى إحدى السفارات الأجنبية، وذلك رداً على كشفه تفاصيل واقعة شراء عبد العال ثلاث سيارات جديدة لحسابه من موازنة البرلمان، تبلغ قيمتها الإجمالية 18 مليون جنيه (1.16 مليون دولار). كما أسقط البرلمان عضوية الإعلامي توفيق عكاشة، في مارس/آذار 2016، تحت ذريعة استضافته السفير الإسرائيلي بمنزله في القاهرة، غير أن السبب الحقيقي بحسب نواب يعود إلى وصلة هجوم شنها على مدير مكتب السيسي السابق، ومدير جهاز المخابرات العامة الحالي، اللواء عباس كامل، الذي أمر على الفور بإغلاق قناة "الفراعين" الفضائية المملوكة له.