الطريق الطويل نحو الحكومة في تونس

25 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
مع اكتمال نتائج الانتخابات التشريعية في تونس، وتنصيب رئيس الجمهورية المنتخب، وفي انتظار تسلم مجلس النواب الجديد مهامه، انطلقت المفاوضات بين الأحزاب السياسية وكتلها النيابية في أفق تشكيل الحكومة الجديدة. اتخذت حرب التصريحات منحى واضحا في ما يمكن وصفها بمرحلة جس النبض بين الأحزاب المختلفة، خصوصا التي يتردّد اسمها بوصفها شريكا محتملا في أي تشكيل حكومي مقبل. وإذا كان الدستور يمنح حركة النهضة حق تشكيل الحكومة القادمة بوصفها الحزب الأول في الانتخابات، بعد حصولها على 52 مقعداً نيابياً، إلا أن هذا الحزب في وضع لا يُحسد عليه؛ فهو، من جهة، محكوم بتعهداتٍ انتخابية قطعها أمام ناخبيه بعدم التحالف مع من أسماهم قوى الفساد والاستبداد، ومن جهة أخرى، فإن القوى المحسوبة على ما يُسمّى اصطلاحا الخط الثوري وضعت اشتراطاتٍ عسيرة للمشاركة في أي حكومةٍ مقبلة.
لا تُخفي "النهضة" رغبتها في تشكيل الحكومة المقبلة وترؤسها وفق ما أعلنه بيان مجلس شورى الحركة، وهو ما قابله موقف رافض من قوى سياسيةٍ من المفترض أن تكون جزءا من أي تحالف ممكن، أي حزب التيار الديمقراطي أساسا، وحركة الشعب إلى حد ما، حيث جاءت مواقفهم تشير إلى رغبتهم في تكليف شخصية غير حزبية لرئاسة الحكومة، وهو ما لا توافق عليه "النهضة"، بالإضافة إلى اشتراطات أخرى، تتعلق بالمناصب الوزارية، حيث أعلن حزب التيار الديمقراطي بوضوح أنه يرغب في مناصب وزارات الداخلية والعدل والإصلاح الإداري، وهو ما اعتبره
 بعضهم رفعا لسقف المطالب بما يشبه التعجيز، حيث لا تخفى حالة التردّد التي تحكم مواقف الأحزاب الصغيرة التي عرضت عليها "النهضة" التحالف معها بسبب توجّسها من مصير مشابه لما حصل لقوى حزبية مختلفة تحالفت في الحكم مع حركة النهضة منذ سنة 2011 (مثل أحزاب التكتل والمؤتمر ونداء تونس)، وكان مآلها الاندثار. ومن هنا، أصبحت تتردّد مقولة الحاجة إلى حكومةٍ يشرف على تشكيلها رئيس الجمهورية، وهو سيناريو دستوري ممكن، في حالة فشل الحزب الأول في تشكيل الحكومة، فالدستور يتيح لرئيس الجمهورية فرصة تعيين شخصية وطنية، يراها الأقدر على تشكيل الحكومة، وهو موقف يكشف عن رغبة مبطنة في الاستفادة من شعبية الرئيس، وتهرّبا مسبقا من مسؤولية الفشل الحكومي المحتمل، غير أن هذا الموقف، بما فيه من تملّص من المسؤولية، وافتراض مسبق للفشل قبل بداية تحمّل المسؤولية، يكشف عن حالة من الوهن السياسي لدى النخب الحزبية المختلفة التي تفتقر إلى الكفاءات ولرجال دولة حقيقيين، بإمكانهم اتخاذ القرارات الصعبة، وتحمّل مسؤوليتها، وخصوصا أن حالة الانكماش الاقتصادي وتفشي الفساد المالي والتهرّب الضريبي تفترض تبنّي خيارات صعبة، وخطوات صارمة من أجل إصلاح هيكلي شامل، بما فيه مراجعة منوال التنمية والنموذج الاقتصادي المتبع، وهو (للمفارقة) لا يزال امتدادا للخيارات الاقتصادية لزمن ما قبل الثورة، على الرغم من مرور هذه السنوات على سقوط نظام الاستبداد، ومطالبة الشعب بتوجهات جديدة لتحقيق نتائج اقتصادية جيدة.
تتضمن حسابات تشكيل الحكومة المقبلة خيارات أخرى بالنسبة لحركة النهضة، ولكنها خيارات مكلفة، أعني في صورة إصرارها على تشكيل الحكومة من خلال المتاح، وأن تضم، بالإضافة إلى حزب النهضة، نواب كتلة ائتلاف الكرامة ونواب حزب تحيا تونس الموالي لرئيس الحكومة يوسف الشاهد ومجموعات من النواب المستقلين والمنفردين. هذا إذا لم يتم اللجوء إلى التحالف مع كتلة حزب قلب تونس، التابع لنبيل القروي، على الرغم من كل التحفظات المتعلقة به، لكنها ستكون حكومة ضعيفة، وأشبه بالمجازفة السياسية التي سيتحمل تبعاتها كل من شارك فيها.
وإذا كانت الكتل النيابية جميعا لا ترغب في الوصول إلى السيناريو الثالث الممكن، أي إعادة الانتخابات البرلمانية، لأنه سيفتح على إمكانات أخرى، قد تفضي إلى تقلص أحزاب وصعود أخرى، خصوصا إذا ما اختار الرئيس دعم قوائم انتخابية، فإن الأكيد أن حالة الحذر السياسي تجعل الحكومة تمرّ برلمانيا، ولكن مع استعداد مسبق لقوى مختلفة للتنصل من أدائها في حالة الفشل، نظرا إلى الحسابات التي أصبحت تطغى على الأحزاب، بعد التجربة الانتخابية التي كشفت عن التوجهات العقابية لدى الناخب التونسي، واستعداده لإطاحة أي حزب أو شخصية تفشل في تحقيق وعودها. وفي كل الأحوال، سيكون تشكيل الحكومة الجديدة تحدّيا جدّيا تخوضه القوى الحزبية التونسية، وهي تحت ضغط الرقابة الشعبية التي أصبحت حاضرة وبقوة، وتظهر آثارها بوضوح في الانتخابات.

دلالات