الصين ومسؤوليتها العالمية عن كورونا

24 مارس 2020
الصورة
ما أن وضعت الصين أقدامها على درب الخروج من أزمة جائحة كورونا، حتى بدا أنها تلتفت سريعاً إلى دول العالم الأخرى التي دخلت مرحلة الخطر نتيجة هذا الوباء، خاصة دول أوروبا الغربية، إذ أطلقت الصين، بدايةً، قطاراً يحمل مساعدات ومستلزمات طبية، ليصل أولاً إلى العاصمة الإسبانية مدريد. تُرى، هل يندرج هذا التصرّف في إطار شعور الصين بالمسؤولية عن انتشار فيروس هذا المرض انطلاقاً من أراضيها، أم يندرج في إطار التعاون الإنساني والسعي إلى مصلحة البشرية؟
من غير المنطقي القول إن الصينيين جميعاً يتحملون المسؤولية الأخلاقية عن تفشّي هذا الوباء، لمجرّد أن نفراً منهم استجلب فيروس المرض نتيجة عادة غذائية سيئة، إذ يُعتقد أن الفيروس انتقل إلى الإنسان نتيجة عادات غذائية منتشرة في بعض مقاطعات وسط الصين، تقوم على أكل كائنات مثل الخفاش والحشرات وغيرها، وهي عاداتٌ غذائية تواصلت من زمن الفقر وانعدام الموارد الغذائية التي عاشتها تلك المقاطعات إبّان الفترات الصعبة التي عبرتها الصين خلال الاحتلالات العسكرية قبل تأسيس الدولة المعاصرة. وبالمناسبة، أخذت تلك العادات الغذائية بالانحسار كثيراً في السنوات الأخيرة التي شهدت وفرة كبيرة في البلاد، فضلاً عن أن تلك العادات لم تكن تشمل كل الصينيين أصلاً، على اختلاف مقاطعاتهم وقومياتهم وظروف حياتهم.
وهكذا، فإن شعور الصين بالمسؤولية الأدبية تجاه العالم عن تفشي هذا الوباء أمر يُحسب لها، ويعزز مكانتها الجديدة في العالم دولة ناهضة وصاعدة وذات ثقل، وإن كان الأهم في ما تقدمه الصين للعالم في شأن محاربة هذا المرض هو نموذج الإجراءات العملية التي نجحت في وضع البلاد على طريق التعافي، ما يبدو أنه سيكون النموذج العالمي الناجع لمكافحة الوباء، والذي شمل بشكل أساسي: تنفيذ إجراءات حجر صحي صارمة في عموم الصين، وبشكل خاص في 
مدينة ووهان، عاصمة مقاطعة هوبي، مركز انتشار المرض، كذلك إغلاق المؤسسات والمحلات والمصانع، وإلزام المواطنين بالبقاء في بيوتهم، ووقف وسائل النقل العام. جرى أيضاً إغلاق المدارس والجامعات وإلغاء الفعاليات الرياضية والثقافية وكل التجمعات المماثلة، وفرضت الحكومة غرامات مالية وعقوبات على من لم يلتزم بإجراءات العزل. وكان لافتاً أن الصين أقامت مستشفيات ميدانية بسرعة كبيرة في ووهان، كانت كافية لاستيعاب المصابين بالمرض وتقديم العلاج لهم.
الحاسم في شأن التصدّي للمرض أن الصينيين أنفسهم أظهروا درجة كبيرة من التقيّد بالإجراءات المفروضة من الحكومة، وهذا بذاته يدفع إلى التساؤل عن سر التزام الصينيين بالعزل، مقارنة باستهتار وعدم التزام شعوب أخرى في دول متقدمة، مثل أوروبا الغربية والولايات المتحدة.
للوصول إلى إجابة موضوعية على هذا التساؤل، علينا أن ندرك أمرين: الأول: أن الصينيين معتادون على اتباع الإجراءات الصحية بشكل دائم، خصوصا ارتداء الكمامة الطبية في المدن الكبرى، ذلك أنهم عاشوا عقوداً طويلة في التلوث الناتج عن المصانع التي شيّدت على أطراف تلك المدن في حقبة ماو تسي تونغ. كذلك يعتبر شرب السوائل الساخنة، كالشاي الأخضر والماء، عادة يومية يقصدون بها مساعدة الجسم على التخلص من السموم. والمهم هنا أن تلك العادات تمارس بطريقة جماعية، يلتزم بها كل الناس، كبيرهم وصغيرهم، فليس جديداً ولا طارئاً على الصينيين أن يلتزموا بشكل جماعي بإجراءاتٍ جديدة فرضتها الحكومة خلال أزمة كورونا، حتى وإن كانت أكثر صرامة.
الثاني: أن الحكومة الصينية، التي تمارس الحكم بطريقة مركزية في معظم الشؤون العامة في البلاد، مع ترك هامش لحكومات المقاطعات يتعلق بخصوصية كل مقاطعة، لا يبدو غريباً عليها أن تتمكّن من السيطرة على السلوك الجماعي لمواطنيها بقبضةٍ من حديد، وأن يخضع الناس لسلطتها وتعليماتها وتحذيراتها بسلاسة، فذاك هو الأصل في ما يجري دائماً في الصين، على عكس ما هو معتاد في دول أوروبا وأميركا الشمالية التي لا تملك الحكومات فيها سلطة مركزية، ولا قبضة حديدية، ولا قولاً فصلاً يخشاه الناس، ما جعلها تتردّد ثم تخفق في دفع الناس إلى الالتزام الطوعي بإجراءات العزل؛ أي على العكس تماماً مما جرى في الصين.
وهكذا، يبدو نجاح الصينيين في الالتزام بالإجراءات التي قادت إلى مكافحة المرض ذا أصل وجذر عميق يتمثل في طبيعة الحياة اليومية العادية التي كان يعيشها الصينيون قبل المرض. وعليه، تحتاج الدول الأخرى خطوة إضافية قبل الوصول إلى تلك المرحلة، قوامها شيوع ثقافة الالتزام الجماعي بالتعليمات المركزية بين مواطنيها، وهذا بالضبط ما جعل دول العالم تتأخر عن الصين في اتخاذ إجراءات حاسمة ومبكّرة لمنع انتشار العدوى.
تعليق: