الشورى شورتك يا سيسي

12 اغسطس 2020
الصورة

قبل شهور من سقوط حسني مبارك بثورة شعبية، كانت مصر تعيش أجواءً مهرجانية مبتذلة على وقع حملات ترفع شعار "الشورى شورتك يا ريس"، وتعلن أن أكثر من عشرين مليون مواطن قرّروا الضغط على الرئيس "صاحب الشورى"، لكي يوافق على الترشّح لفترة رئاسية سادسة.

هذا الابتذال المصنوع في مطابخ الأجهزة لا يفنى ولا يستحدث من العدم، فيعيد إنتاج نفسه، مهما اختلف اسم الجالس في السلطة، ما دام الفكر واحدًا، وهو ما يتكرّر الآن مع العرض الفقير دراميًا الذي بدأ في مصر بالأمس، تحت عنوان "انتخاب مجلس للشيوخ".

كان في السابق "مجلس الشورى" قبل ثورة يناير 2011 وبعدها، وكان لطيفًا وهادئًا وصامتًا ومشفرًا، لا تسمع له صوتًا، ولا يراه المواطنون بالعين المجرّدة. كان يجلس على رأسه في زمن حسني مبارك رجل مهذب ومؤدب وخجول من كبار التربويين المصريين، هو الدكتور مصطفى كمال حلمي، وزير سابق للتربية والتعليم قبل أن يتقاعد ويستجم على شاطئ مجلس الشورى، مع مجموعة من عجائز الحياة السياسية المصرية، كان نظام مبارك يأخذهم إلى عضوية الشورى، كأنها مكافأة تقاعد هادئ ومريح.

كانت أجواء جلسات الشورى التي جعلت منه مجلسًا صامتًا، بالإضافة إلى أدب رئيس المجلس وحيائه الشديد وصوته الهادئ الخفيض في أثناء الجلسات المنقولة تلفزيونيًا أحيانًا مثار دهشة، وسخرية، من إنفاق الجهد والوقت والمال على"قعداتٍ" تشبه مثيلتها في مقاهي أصحاب المعاشات، لا تقدّم ولا تؤخر في صياغة المشهدين، السياسي والتشريعي، حتى جاءت ثورة يناير 2011، وكان من مطالب جمهورها إلغاء هذا المجلس الأليف وتوفير نفقاته، لكن ذلك لم يحدث، في أثناء فترة العبث العسكري بالحياة السياسية والتشريعية بعد الثورة، أجريت انتخابات الشورى عام 2012 قبل انتخاب رئيس للجمهورية، وهو المجلس الذي كلف بمهام تشريعية في فترة حكم الرئيس محمد مرسي، بعد أن نجح المجلس العسكري والمحكمة الدستورية في إعطاب مجلس الشعب، وإخراجه من الحياة السياسية.

الآن يلهو عبد الفتاح السيسي  بلعبة انتخابات الشورى، مع تغيير اسمه إلى "مجلس الشيوخ"، بينما كل ما في الأمر أنه يتحوّل من "الشورى" إلى "الشورى شورتك يا سعادة الجنرال" بالنظر إلى أن الغرفة الأخرى المعنية بالتشريع (مجلس النواب) ترفع على لسان رئيسها، منذ اللحظة الأولى شعار "الشورى شورتك يا سيسي"، وتعلن أن دورها المقدّس ينحصر فقط في وضع كل ما تريده، وتأمر به السلطة السياسية في لفافة تشريعية أنيقة ولامعة، وتفرضها فرضًا على الجمهور، كما جرى في التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، ثم إعادة هندسة الدستور وطلائه بما يتناسب مع رغبات عبد الفتاح السيسي في البقاء في السلطة مدى الحياة.

يأتي المهرجان الصاخب لما تسمى انتخابات مجلس الشيوخ استباقًا للذكرى السابقة لمذبحة رابعة العدوية، التي كانت طريق السيسي إلى السلطة، وربما كان ذلك من أسباب المبالغة في البهرجة والصخب والطبل والزمر، إمعانًا في إهانة الذكرى والسخرية من الدماء التي أريقت من جهة، ومحاولة تصدير صورة تعبيرية فخمة، تقول إن ثمة عملية بناء سياسي وتشريعي تدور في ظل نظام يعاني من عقدة الشرعية، الأخلاقية والديمقراطية، مهما كان الواقع الفعلي يمنحه اعترافًا بها.