الشهادة للجميع والعلم لمن يريد... حقيقة أم وجهة نظر؟

25 ابريل 2019
كثيراً ما أدخل في نقاشات تخص قضايا تتعلق بالتربية والتعليم والثقافة، نقاشات مطولة تبين حقائق كثيرة منها: أن بعضاً من التربويين ما زال يعيش حالة من المثالية لا يستطيع هو أن يزاولها، فيما لو كان في هذا الوقت طالباً أو متعلماً، وفِي نقاش مع مجموعة من التربويين تطرقنا فيه إلى قضية.. هل النجاح للجميع؟

اختلفت الاّراء ما بين أن النجاح للجميع سيعطي الشهادة لمن لا يستحقها، وهذا يعني أن خريجين كثيرين سيكونون عالة على المجتمع يحملون شهادة جامعية وهم لا يحسنون شيئاً.

ولكن ثمة رأيٌ آخر مختلف عن الأول أن النجاح للجميع، لأن معطيات مدارس وجامعات اليوم هي من شرعت في فتح هذا الباب ولَم يعد بالإمكان إغلاقه، فضلاً عن أنها اصبحتِ رغبة مجتمعية، فالمجتمع توجه اليوم إلى الحصول على الشهادة لشغر مقعد وظيفي في الدولة، بأي طرقٍ جاءت هذه الشهادة سواء من طريقها المشروع أم الممنوع لا يضر، فالمهم أن تكون بيدك هذه الشهادة.

ولعل أصحاب الرأي الأول يعترضون على المخالفين لهم، بجملة اعتراضات بعضها وجيه وبعضها ليس كذلك، فمثلاً: أن الأستاذ الذي يُؤْمِن بهذه النظرية هو معلم يبحث عن الراحة والدعة ليتفلت من أداء الامانة الوظيفية، وهو صحيح بنسبة عند البعض، ويضيفون أيضاً: أن هيبة العلم والمعلم والحجرة الدراسية ستضمحل عند الطلاب فيصبح الطالب متسيباً ومتفلتاً، ولعلهم أصابوا في بعضها واخطأوا في أخرى، تبقى وجهة نظر تحترم.



نسي أصدقائي التربويين أو تناسوا عمداً أم جهلاً، حقائق أخرى لم يتطرقوا لها، ولَم يجعلوها في الحسبان، أن التغيير الحاصل في العالم، وسرعة تداول المعلومات جعلت معارفنا هزيلة أمام طلابنا، فضلاً عن أن تعدد وسائل التواصل وطرق الحصول على المعلومة جعل المعلم في موقف محرج، وكذلك شخصية طالب اليوم تختلف تماماً عن الطالب قبل ثلاثين أو أربعين عاماً، فعدم مراعاة الفارق الزماني والفكري والمجتمعي، يجعل الأستاذ يعيش حالة من الانعزال عن واقع طلابه، فهو بنظرهم يتحدث عن مثالية لا تمت لواقعهم بصلة إطلاقاً.

يذكرني بأحد التربويين، حين طلب من أولياء الأمور أن يسحبوا الجوالات من أيدي أولادهم ليتفرغوا للدراسة، نسي أن بعض الدروس التي لا يفهمونها منه، يأخذون شرحاً لها عبر هذه الوسائل، نحن مغفلون وغير واقعيين في كثير من أفكارنا وأطروحاتنا، فقط لأننا نعيش دور الموجه، ولو كنّا نحن من يتلقى التوجيه لاختلف الأمر تماماً..

نعود مرة أخرى، إلى اصحاب الرأي الأول، لنقول لهم: إن من يُؤْمِن بمحدودية النجاح، عليه كذلك، أن يوفر وسائل متعددة لإيصال مادته العلمية، فحالة الركود في الحجرة الدراسية قاتلة ومملة في نفس الوقت، ومحدودية المعلومات والاعتماد على الكتاب الدراسي أمرٌ لا يستساغ، فيتساوى الطالب ومعلمه بالمعلومات والأفكار.

ماذا لو قلنا إن الشهادة للجميع والعلم لمن يريد؟
اعترض البعض وقال إن الشهادة ليست في متناول الجميع، وهو صحيح بشكل كامل، لكن واقع الحال يثبت أن الحصول على الشهادة اصبح سهلاً وميسوراً في حالة الالتحاق بالمقاعد الدراسية، فهي عبارة عن مراحل يجتازها الطالب وتصبح بعدها الشهادة تحصيل حاصل وتكون في متناول اليد.

وذهب آخرون إلى أن الشهادة لا تنفصل عن العلم ويمكن الجمع بينهما، وواقع الحال يثبت أن مدارس ومعاهد وجامعات اليوم لا تعطي علماً حقيقياً يبني شخصية أو يطورها أو ينضجها، وإن وجدت فهي قليلةٌ جداً، وكلنا يتمنى لو يتم الجمع ويوجد عندنا عدد كبير من هذه الحجرات، التي تعطي الطالب مهارات الحياة والعلم وأساليب التفكير وتعدد طرق الحصول على وظيفة في الحياة قبل الوظيفة في الدولة، فالحياة واسعة في خياراتها والحكومة ضيقةٌ في ذلك.

الدور الريادي للأستاذ
الشهادة للجميع والعلم لمن يريد، ماذا سيصنع الأستاذ بعدها؟ هل سيصبح مجرد آلة؟ يتواجد في القاعة الدراسية، أم سيكون له دور ريادي وقيمي مع طلابه؟.. لن يحصر دور الأستاذ إذا ما آمنا بهذا الرأي بل سيشمل أدواراً أخرى، منها على سبيل المثال لا الحصر: أن يكون الباعث لروح العلم في عقل الطالب، أن يلهمه الرغبة في السعي إليه، يركز على خلق الروح المعنوية التي سيحظى بها المتعلم في المجتمع، أن يعلمهم طرق الحصول على المعلومة وتوظيفها في الحياة، يغرس فيهم القناعات الإيجابية عن العلم، يحيي في نفوسهم الكرامة والحريّة، فالعلم هو الذي يوضح الحقائق للإنسان ويبصره بها، ولكن الشهادة لا تفعل كل ذلك.

ما تقدم لا يقلل من أهمية الشهادة وقيمتها، فهي سلاح مهم يتوجب أن يكون في جعبتك، والحرص عليها مهم  لكن أن تجعلها كل شيء فهذا وهم، لا ينبغي أن تعيشه.