السبسي وتعديلات قانون الانتخابات التونسي: الإرباك سيد الموقف

24 يوليو 2019
الصورة
فاجأ السبسي الجميع بعدم توقيعه على التعديلات (Getty)
+ الخط -
مرة أخرى، ينقسم التونسيون حول الرئيس الباجي قائد السبسي وبسببه، بعدما فاجأ الجميع بعدم التوقيع على التعديلات التي أدخلها البرلمان على القانون الانتخابي الشهر الماضي. اختفى الرجل عن الأنظار لأيام بعد إصابته بوعكة صحية في 27 يونيو/حزيران الماضي، مما أفسح المجال أمام رواج مختلف السيناريوهات السوداوية والشائعات، بلغ بعضها حدّ القول إنه أصيب بعجز تام. وهناك من قال إنه مختطف من قبل أسرته. لكن المؤكّد أنّه أصبح في دائرة الاتهام من قبل عدد واسع من خبراء القانون الدستوري كونه ارتكب خطأ جسيماً عندما تعمّد مخالفة الدستور، ووضع بذلك البلاد في حالة غموض قبل ثلاث أشهر فقط من موعد الانتخابات التشريعية المقررة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

لم يكن السبسي مريضاً كما روج البعض. كان واعياً بما يفعل، وقرّر بإرادته عدم التوقيع على التعديلات التي وافق عليها البرلمان وزكّتها الهيئة الوقتية لمراقبة الدستور. وعلّل موقفه بالقول، بحسب ابنه حافظ، بأنّه لا يريد أن يضع توقيعه على وثيقة تتضمن إقصاء البعض من ممارسة حقهم الانتخابي. وهو بذلك يريد أن يبرّئ ساحته من مناورة يعتقد بأنّ الأحزاب الحاكمة متورطة في تنفيذها، بهدف التخلّص من منافسين لهم حظوظ واسعة في إعادة تشكيل المشهد السياسي.

رفض السبسي مقترح تنظيم استفتاء طالب به البعض، لأنّ ذلك من شأنه أن يؤثّر مباشرة على الأجندة الانتخابية، بعد أن أكّد حرصه على احترام المواعيد الخاصة بذلك. كما اعتبر أنّ إعادة مشروع التعديلات إلى البرلمان لإعادة النظر في بعض فصوله، قد لا يترتب عنه تغيير جوهري في التعديلات المقدمة. بناء عليه، اختار أن يختفي مؤقتاً عن الشاشة، مسبباً بذلك حالة من الارتباك العام.

تردّ رئاسة الجمهورية من خلال المستشار السياسي نور الدين بن نتيشة، على اتهام الرئيس باختراق الدستور، بالقول إنه لا يوجد إجماع بين خبراء القانون الدستوري حول هذه المسألة. كذلك تعتبر أنّ الجهة الوحيدة المؤهلة للبت في هذه المسألة "الخلافية" تتمثل في المحكمة الدستورية التي يتحمل البرلمان وحده مسؤولية عدم إنشائها. وبناء على هذا التأويل، تعتقد مؤسسة الرئاسة بأنه في غياب هذه المحكمة يكون رئيس الجمهورية هو حامي الدستور.

هكذا، وجد السبسي المبرر القانوني لقلب الطاولة على خصومه. لكن هذا الجدل القانوني يخفي وراءه صراعاً سياسياً ضارياً بين الراغبين في الوصول إلى السلطة. في غضون ذلك، يبحث حافظ قائد السبسي، نجل الرئيس، عن الطريقة التي تمكّنه من البقاء داخل المربع الذهبي للحكم بعد مغادرة والده القصر الرئاسي، وهو الآن يحاول أن يتحالف حتى مع أشدّ خصومه عداوة، مقابل المرور بسلام إلى مرحلة ما بعد الانتخابات. وفي هذا السياق يأتي لقاؤه برئيس حزب "قلب تونس" نبيل القروي (صاحب قناة "نسمة" وجمعية "عيش تونسي")، الذي سبق أن وصف نجل الرئيس بـ"المتخلف ذهنياً" خلال خصومة سابقة معه داخل حزب "نداء تونس". وتشاء الأقدار أن يملك أحدهما مفاتيح الحزب الذي أسسه الباجي قائد السبسي، في حين ينجح الآخر في أن يصبح المرشح الأكثر حظاً في الانتخابات الرئاسية. فكل الصيغ العجيبة تصبح ممكنة في عالم السياسة، ما دامت تؤدي إلى الهدف المنشود. وبلغ الأمر بأحد قياديي حزب "قلب تونس"، لدعوة الحرس الرئاسي والمؤسسة العسكرية إلى "التأهب ضدّ أي تحرّك خبيث ممكن أن يستهدف رئيس الجمهورية".

ويقف الائتلاف الحاكم، ومعه أطراف أخرى، ضدّ ما يعتبرونه التفافاً على الدستور من أجل تغيير موازين القوى. لكن هذه الأطراف منقسمة على نفسها، ولا تثق في بعضها البعض، إلى جانب اختلافها في الأهداف والمصالح والحسابات.

مرة أخرى تقف تونس أمام مفترق طرق، حيث الجميع قد أنهكهم الجري وراء الحصول على موقع نفوذ داخل الحكم. لا يُعرف كيف ستتم مواجهة الخطوة التي أقدم عليها الباجي قائد السبسي حينما أعلن أنّ الملك قد مات وفق قواعد لعبة الشطرنج، ولا يُعرف ما الذي ستسفر عنه المشاورات القائمة بين أحزاب الأغلبية البرلمانية. هل سيتكّمن رئيس الحكومة يوسف الشاهد من نشر القانون المعدل بالجريدة الرسمية من دون توقيع رئيس الدولة؟ وماذا سيترتب عن ذلك؟ وكيف سيكون رد فعل السبسي وجماعته؟ هل تتم الاستجابة لمن يدعون إلى تقديم شكوى إلى المحكمة الإدارية لعزل رئيس الجمهورية وهو الإجراء الذي إذا تمّ الإقدام عليه سيكون بمثابة السير في أرض خطرة وملغومة.

ماذا ستفعل حركة "النهضة" التي تتعرّض لارتباك داخلي يخشى أن يمسّ وحدة الصف، نتيجة تعدد النزاعات بين كوادرها، وذلك في غياب حلفاء يمكن الثقة في نواياهم والتأكد من وحدة الطريق؟ فما قام به السبسي خلط الأوراق وأفسد حسابات أطراف عديدة من بينها حسابات حركة "النهضة"، التي قررت ترشيح رئيسها راشد الغنوشي لخوض الانتخابات البرلمانية، وفي تقديرها أن تنجح في أن تجعل منه رئيساً للبرلمان، أو على الأقلّ رئيساً لكتلتها البرلمانية، وبذلك يبقى في موقع مؤثر يمكّنه من مواصلة صنع السياسات خلال المرحلة المقبلة، بعد أن يغادر رئاسة الحركة خلال العام المقبل.

المساهمون