الزحف على الجثث

الزحف على الجثث

03 نوفمبر 2018
+ الخط -
لم يكن ليتوقف ولي عهد العربية السعودية، محمد بن سلمان، عن الزحف الاستعراضي المتواصل، ليقنع الجميع بأنه الأجدر بكرسي المُلك، على الرغم من كل ما يمكن أن يسببه هذا الاندفاع من ضحايا وخسائر، ولو تطلب الأمر تجاوز حدود المملكة وتعديه إلى خارج خريطتها، مقوضا الإستقرار الإقليمي.
إنها لحظة الزحف التي لا تعترف باعتلاء العرش عن طريق الإنتظار، واحترام الانتظام والعمل وفق القانون والعرف، إنه الزحف على الرغم مما قد يسببه هذا الاكتساح من تطورات دراماتيكية لتحقيق طموح شخصي، وإحداث شروخ وجروح لن تندمل قط، لتظل موشومة على الجسد الخليجي بأسره إلى ما شاء الله.
بدأ الوصول إلى كرسي العرش بالجلوس على كرسي ولي ولي العهد، في تجاهل كامل لهيئة البيعة، كرسي "صغير" لكنه مهم، يجعل الجالس عليه مرشحا ثانيا للمُلك بعدما كان عدما، لكنه غير مضمون ما دام وجوده فيه مرتبطا بالجالس على العرش، لأن الذي جرى على الأمير مقرن، يمكن أن يجري على وَلِي ولي العهد، محمد بن سلمان، في حالة وافى الأجل الملك سلمان الأب (81 سنة).
كان من الضروري أن تتبع خطوة الجلوس على كرسي ولي ولاية العهد، وبشكل مستعجل، إزاحة ولي العهد، غير أنّ الطريق ليست دائما سالكة ومضمونة، إذ تطلب الأمر تهيئةً للأجواء من قبيل الظهور أنه رجل المرحلة، والزعيم الضرورة، وصاحب المشروع الثوري، والأجندة المكثفة التي تتطلب إيقاعا مرتفعا لن يستطيع معها ولي العهد مسايرته، بجعل "دوره في الأحداث صفرا على الشمال"، على حد تعبير المدون "مجتهد"، بطريقة ممنهجة ومن ثم عزله وإزاحته.
يطرح ولي عهد السعودية نفسه رجل التحديات الكبرى، ليس في بلده فحسب، بل في الخليج بأسره، رجل المال والسطوة، مرسّخا سلطته ومثبتا عرشه، بصرف النظر عن احترام تقليد الأقدمية، عبر تسويق الرهان عليه بأنه رهان رابح رابح، ونموذجا لجيل جديد من الشباب السعودي، والوجه الجديد للمملكة، ورأس حربتها.
لكن حالات خوض الحرب في اليمن، وحصار قطر الذي سيُصبِح درسا في الجغرافيا السياسية، وحجز رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، وأخيرا، وليس آخرا، اغتيال الصحفي، جمال خاشقجي، مرورا باعتقال بعض رجال الأعمال والأمراء.. كلها تدخل ضمن "إنجازات" ملك المستقبل، وإن كانت بعيدةً من أن ترسخ القومية السعودية تحت اسمه، أو تكسب رضى رجال الدين وأمراء آل سعود. كما أنها لن تحظى بالدعم الأميركي المطلق الذي لا يؤمن إلا بمصالحه، بل يمكن أن تتسبب في الإحباط، والتذمر والتشتت وإشاعة الخوف والترهيب، سيما وأنّ التجربة القطرية مثلا لها أوراق كثيرة من الصعب استنفادها في مجرد حملة أو مقاطعة أو حصار، إذ أن هذه الأخيرة استثمرت في إرساء نفوذها منذ مدة ليست بالقصيرة، كما أنها تمكنت من تملك معجبين ومريدين في أوساط مجمل نخب بلدان المنطقة بمختلف أنواعها، إذ فشلت، لحدود الساعة، عملية نقل المعارك إلى داخل البلدان المجاورة بما فيها إيران، بل إن طريقة تصفية الصحفي، خاشقجي، الجنونية، جعلت السحر ينقلب على الساحر، ويكتسب المستهدفين الكثير من الثقة، ويصيب عملية تشجيع الإستقطاب والتقاطب من داخل ملكيات الخليج الوهن، هذا إذا لم يجد التمرّد امتدادا له في عمق البيت الداخلي للأسر المالكة، كما أصبحت حرب اليمن نموذجا لارتكاب جرائم لم تصنف بعد، ولم تسمّى ضمن الجرائم المرتكبة في حق الإنسانية لبشاعتها غير المحدودة.
لَنْ تكون فكرة معاداة كل الأصوات المناوئة، دولا أو أشخاصا، فكرة جيدة، وجعلها عقيدة سياسية لا تتزحزح كحافز على إعتلاء العرش، أو قنطرة آمنة نحوه، بل على العكس ستُوَرِّث عملية انتقال الملك الاستعداء والريبة والكراهية، كما ستجعلها طريقا مليئة بالمطبات، ويصاحبها شكٌّ كثير، بعدما كان الأصل هو ضمان انتقال سلس، يضمن مباركة الجميع، وفي أسوأ الحالات تحييد المناوئين.
BD18E02B-405D-45C5-BA93-662A6CBCE4D5
محمد مونشيح (المغرب)