الأمن الوطني.. والقومي

الأمن الوطني.. والقومي

27 نوفمبر 2018
+ الخط -
لو بحثنا عن مفهوم الأمن الوطني لوجدنا تعريفات عديدة، تتفاوت حسب أوضاع الدول وطريقة إدراكها وتنبهها لمصالحها الحيوية والصلبة، التي تشكل أهم ركائز إعادة إنتاج ذاتها كأمة، أو ضمان ديمومتها، أو لتأمين استقلالها من الارتهان للأجنبي، الأمر الذي يتطلب قدرة على تأمين إنتاج اقتصاد تكنولوجي، وصناعة مصادر مائية وغذائية وبشرية، وقدرة على التحكم في المصادر الطبيعية وقوة عسكرية قادرة على تأمين كل هذه المقومات وحمايتها، وإلا فإنها ستكون مثل أمة تضحي وتتنازل عن مصالحها الحيوية لأجل تجنب الخوض في حربٍ ليست لها القدرة على تكاليفها، وهنا نكون إزاء أمة مرتخية وعاجزة، فاقدة لأمنها الوطني، إن اعتمدنا تعريف المفهوم بالمعنى المضاد.
لذلك تلجأ هذه الدول إلى التحالف مع القوى المهيمنة أو الإقليمية، وترتهن لها حتى تقع تحت تهديد أمنها الوطني الذي يتعرض للتآكل على مستوى مناعته الاقتصادية ومتانة قدرته على إنتاج ذاته، إذ أن السياسات الاقتصادية المفترض أنها موجهة إلى رفاهية مواطنيها تتجه في قسم معتبر لحساب صفقات عسكرية واقتصادية صورية وزائفة، لا علاقة لها بحروب، ولا بتعريفات العدو المختلفة، بل لها علاقة باعتبارات متعلقة باستفادة الفئات الحاكمة، أو بالعمولات والسمسرة، فيتحول التسلّح لخدمة علاقات معينة مع النظام، وليس مع دولة ومصالحها الاستراتيجية الأمنية، بل بين النظام والدولة المزودة بالسلاح.
فيتحول الوضع، ونصبح إزاء أمن بظاهر مموه وباطن مشوه، لا علاقة له بما هو وطني، بل بأمن النظام القائم، إذ تنتفي حالة دولة ذات سيادة لها عقيدة سياسية أو اقتصادية أو أمنية أمام حالات التخلي عن مفهوم الأمن الوطني لتحل محله حالة التبعية في كل المجالات السالفة الذكر، مضاف إليها التبعية الثقافية واللغوية، وبالجملة تبعية وإستلاب في كل أنواع الأمن، فلا يصبح القانون ملجأ المواطن العادي، إنما لرجالات النظام/ الدولة.
يكمن الأمن الوطني في أمن الدولة، وليس في أمن النظام المثقوب والمخترق من المخابرات الأجنبية التي تتعامل مع خطط وإجراءات هذه الدول كحالات تبعية محتملة لأمن الدول المتبوعة. الأمن لا يتم بدون انتقال تدريجي إلى أشكال من الديمقراطية، ولا يمكن بدون هذا، على المدى البعيد، أن تحتفظ هذه الكيانات بنفسها، بضمانة وتطمين الآخر، بمنأى عن الضمانات الدستورية، وفصل السلط، ونزاهة واستقلالية السلطة القضائية، وسيادة الحق والقانون، وتوسيع المشاركة الديمقراطية بنوعيها التمثيلية والتشاركية.
أجهزة الأمن، في الديمقراطيات الغربية، هي أجهزة الدولة، أجهزة مستقلة عن النظام السياسي، سواء أتت الانتخابات الشعبية بحكومة من اليسار أو الوسط أو اليمين، على عكس مقولة ''الأمن النظامي'' التي لا يقصد منها خدمة المجتمع المدني، بل يعنى بها اختلاق إيديولوجية تعطي للنخبة الحاكمة حق تخليها عن القضايا التي تسمّى بالأمن القومي، على تعبير عزمي بشارة.
فكيف لدولة يكون أمنها جزء من احتكار نظام العائلة الحاكمة، والأقلية الاستراتيجية المكون من رأس المال الخدماتي التجاري الريعي، ومن المحظيين والمحميين المشكلين من الأغنياء الجُدُد، وكبار بيروقراطيي النظام، وقادة أجهزة الأمن والجيش، تتقاطع فيها النصرة والمجاورة في حالات كثيرة مع القرابة العائلية والمصاهرة، والانتماء القبلي والجهوي.
كيف لدولة غير معنية بأمنها الوطني أن تهتم بأمنها القومي، بقدر ما هي مشغولة بإحكام قبضتها على المعارضة السياسية، إضافة إلى تجنيد المبلغين والوشاة من الانتهازيين الإعلاميين والمرتزقة لإحكام الحصار على المجتمع، ونشر ثقافة الرعب؟ هل توجد ديمقراطية مستدامة دون سلام مدني، ومن دون قدرة على ضمان سيادة واستمرارية الحياة الوطنية في جميع الظروف؟
كيف لأنظمة سلطوية عاجزة عن تحقيق أمنها الداخلي والخارجي، وتفصلها هوة كبيرة تجاه مجتمعها، وغير قادرة على التعبئة لجبهة داخلية قوية، وتعيش انكشافا خارجيا، أن تفكر في أمنها القومي؟ هذا إن لم تكن تعمل في اتجاه مضاد لهذا الأخير.
لا تكترث الدول في ظل الأنظمة السلطوية بالأمن القومي، وتجعله ضمن طليعة أجندات اليوم، على عكس حضوره ضمن أولويات الديمقراطيات ومواطنيها، الحرب لم تعد مجرد خطر احتمالي، بل حقيقة تضع الديمقراطيات ومواطنيها في الخطوط الأمامية، وتلامس جميع جوانب حياة الأمة، إذ لم يعد من الممكن احتكار جيش محترف يعمل في مسارح العمليات الخارجية، بل يدخل ضمن الصالح العام للمواطنين.
تعيد أوروبا (مثلا) إنتاج نفسها حول الأمن في القرن الحادي والعشرين، باستثناء التفكك في أعقاب الاستفتاء البريطاني على الخروج من الاتحاد الأوروبي، إذ تتمحور عملية الإصلاح الأساسية للبناء الأوروبي حول إنشاء "الاتحاد من أجل الأمن"، وتتمثل الأولويات في استئناف السيطرة على الحدود الخارجية للاتحاد، ومراقبة البنى التحتية الأساسية ضد الطموحات التوسعية وحماية السكان ضد الإرهاب.
الهزيمة أو النصر في هذه الدول تعتمد، في نهاية المطاف، على قدرة مواطنيها على مقاومة الإرهاب وطموحات القوى التوسعية على نحو مستدام دون التشكيك في الحرية.
BD18E02B-405D-45C5-BA93-662A6CBCE4D5
محمد مونشيح (المغرب)