الاختلالات المناخية والأمن البشري

الاختلالات المناخية والأمن البشري

21 نوفمبر 2018
+ الخط -
قال الجنرال الفرنسي، هوبير ليوطي، لما كان مقيما عاما في المغرب: "إذا أردت أن تحكم في المغرب، على السماء أن تمطر"، لأن المطر ضروري للحكم، يطيل من عمر الأنظمة الهشة اقتصاديا، ويقلل من فرص انفجار شعوبها، إلى درجة أنه تم توظيف الغيث فيما بعد إيديولوجيا ودينيا لتثبيت مشروعية الأنظمة المتهالكة، حتى أضحى انحباس المطر أو بالأحرى التغير المناخي، بلغة اليوم، يؤدي حتما إلى تنامي النزاعات المسلحة أو الجماعات الإرهابية والاستيلاء على الموارد الطبيعية.
الجفاف وتداعياته (المجاعة ونزوح السكان..)، مرتبط بجملة عوامل أخرى، تجعل الوضع قابلا للإنفجار. فنحن نكاد نتحدث دائما عن بؤر النزاع بعباراتٍ عسكرية وسياسيةٍ سطحية، كما نرى في حروب عديدة دائرة نزاعًا إثنيًّا بين مليشيات. غير أنّه إذا ما نظرنا إلى جذور هذه الصراعات، نلاحظ أنها تبدأ بأزمة إيكولوجية ناتجةٍ، على الأقلِّ جزئيًا، عن تغيُّرٍ مناخيّ.
ثم إن الخلافات لا تندلع في أماكن مرتبطة بالندرة، بل أيضا في مناطق غنية جدًا بالموارد الطبيعية المثيرة للأطماع، وفي ظلِّ معارك تدور حول الأراضي، مع تدخل للقوى الأجنبية، في حين وحتى الأمس القريب كان السّكان ذوي الأصول الإثنية والانتماءات الدينية المختلفة يعيشون معا دون مشاكل من قبل. منذ ذلك الحين، اندلعت حروبٌ أخرى في إفريقيا، وفي العديد من البلدان العربية و/ أو ذات الأغلبية المسلمة.
أقامت الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة وبلدان غربية شراكات قوية مع الأنظمة التسلُّطية في كل العالم العربي، خصوصا من أجل المقدرات الطبيعية في هذه البلدان التي تحتوي أغلبها على البترول والغاز. لذلك ليس التغيُّر المناخي هو العامل الوحيد في شنِّ الحروب واستفحالها، إذ ليس عبثا أن تحتوي كل المناطق التي تتدخَّل فيها الجيوش الغربية على أكبر موارد طاقة في العالم، إنّ الحروب هي تعبير عن إرادة الاستحواذ على هذه المقدرات، وهي نوايا ضمنية، تتسلل بين خطابات "حضارية" أو "تحريرية".
في المقابل، تعتمد بلدان الخليج الغنية، كما تفعل القوى الغربية والشركات المتعددة الجنسيات، لأجل توفير الغذاء لسكّانها، كثيرا على استيراد المواد الغذائية بنِسَب مرتفعة جدا على الاستحواذ على أراضٍ في إفريقيا وغيرها.
التاريخ يعيد نفسه، لقد سبق واتُّخِذ قرار احتلال الجزائر، جزئيا، بغرض إقامة مستعمراتٍها الإستيطانية في أراضٍ فلاحية، حيث أنّه بعد الحرب الطاحنة بين فرنسا وألمانيا، لم يعد للبلد الأول ما يكفي من القمح لإكتفائها الذاتي. وإذا كانت الجزائر قد حازت استقلالها بعد تقديمها أكثر من مليون شهيد، ولم يشفع ذلك لها أن تُبسط سيادتها المطلقة على كل خيراتها الطبيعية، وخصوصا البترول. هذا التغول المكشوف هو من ركائز ما تسمى بمنظومة الـ"فرانس أفريك" (فرنسا، أفريقيا)، ولا يزال حيا، إذ تواصل فرنسا والبلدان الغربية تقديم الدعم للدكتاتوريات والأنظمة التسلطية القائمة والمتواطئة في نهب خيرات شعوبها، اعتمادا على الخطاب المروّج للديمقراطية وحقوق الإنسان، والتبشير بالحضارة المزعومة، كما تواصل الدولة الفرنسية الترويج لمصالحها بفرض هيمنتها عن طريق سياسات نهب الموارد.
لذلك عندما تصبح تداعيات الإختلالات المناخية مضاعفة إلى جانب نهب الموارد والاستحواذ على الأراضي، يتم في المقابل حرمان بعض المجموعات السكانية من سبل عيشهم، الأمر الذي ينعكس سلبا على المستوى الاقتصادي والغذائي وندرة الموارد، ويؤدي إلى خلق بؤر توتر ومستنقع حروب يصعب الإفلات منها. بالموازاة مع ذلك تشتغل الجماعات "الجهادية" على تجييش الأفراد اعتمادا على موارد البلد وإخضاع الأراضي.
وهكذا نصبح أمام عملة واحدة وإن اختلف الوجهان، إذ أن الجماعة الإرهابية التي تتسبّب بخسائر كثيرة لا تختلف كثيرا مع الرأسمالية المتوحشة، فهذه الجماعات تفتقد لبدائل ولا تقترح نموذجا آخر غير الرأسمالية، بل تتعامل معها دون أن يرف لها جفن، كما أنّ الشركات متعددة الجنسيات، لا تشعر بأي مركب نقص تجاهها، ولا تجد أي حرج في التعاطي معها، إذ لم تتورع مجموعة "لافارج" أو "توتال" الفرنسيتين من دفع أتاوات لتنظيم الدولة الإسلامية في سورية.
لقد أصبح للإختلالات المناخية وقضايا الموارد والاستراتيجيات الانتفاعية تأثير أكبر في الحروب بالمقارنة مع ما يسمَّى افتراء بحروب ذات طابع ديني وعقدي، فـخلف ما تسمّى "حروب الأديان"، نجد في الغالب أنظمةً سلطوية تمارس عنفها بشكل آلي للسيطرة على السلطة والمال والامتيازات، وما الشؤون الدينية إلا ذرائع للتسويغ والتمرير والتعبئة.
ليس صدفة أن تكون المناطق التي تزخر بموارد الغاز والبترول، والغنية بالخشب والأحجار الكريمة والمعادن والموارد المائية.. هي مناطق النزاعات في إفريقيا الوسطى أو في السودان. بعض المجموعات المسيحية، مثلا، ضالعة مباشرة في تلك العملية... وتنطبق تلك الحالات على مناطق أخرى، منها ميانمار، حيث تُتَّهم كلٌ من المجموعات البوذية والجيش الحاكم.
لذلك تكابر وتناضل المجموعات الإثنية المحلية الأصلية لأجل مواجهة السيطرة على أراضيها من طرف السلطويات والعسكريتارية والجماعات المتشددة وكبريات الشركات المقربة منها، أو من طرف الشركاتٍ الأجنبية، لتصبح المسألة الإثنية مرتبطة بقضايا الأرض والمقدرات، ما يعني أن مبتغى السلم في هذه المناطق هم مُجرد تفاصيل قادمة من هامش الهامش التابع للمركز، والذي سوف يصطدم بلا شك مع مصالحه المعقدة والمتشابكة.
BD18E02B-405D-45C5-BA93-662A6CBCE4D5
محمد مونشيح (المغرب)