الروهينغا.. تطهير عرقي وحرب دينية

الروهينغا.. تطهير عرقي وحرب دينية

15 سبتمبر 2017
الصورة
+ الخط -
لا يمكن قراءة ما يجري للأقلية المسلمة، الروهينغا في ميانمار، وفهمه، من دون قراءة مجتمع هذه البلاد، باعتباره مجتمعا فسيفسائيا، يصل فيه عدد المجموعات العرقية إلى مائة، أهمها البورميون (68% أكثر من ثلثي السكان) يليها المون، سكان البلاد الأصليون والقومية الأولى قبل ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، وهناك مجموعات عرقية مختلفة: الأركابيس، كاشين، شان، كارني، وشين، .. إلخ.
اللغة السائدة هي البورمية، وهي اللغة الرسمية، ولها نسب مع التيبتية في الصين، وهناك لغات عديدة، منها الإنكليزية في التخاطب كما الحال في الهند. أما الديانات، فالبوذية تصل إلى 85%، والبقية موزعة بين الإسلام والمسيحية والهندوسية. يصل المسلمون إلى 10%، وقد انتشر الإسلام مع دخوله إلى الهند في القرن التاسع الميلادي.
الروهينغا (أو الروبينغة بالبوذية) اسم قومية تنتمى إلى عائلة الشعوب الهندية، وتقطن ولاية أراكان - أراكابيس غربي بورما، يقدّر عددهم بثمانية ملايين، تعتبرهم الأمم المتحدة أكثر الأقليات اضطهاداً في العالم. ويسهم الجوار، والوجود الاستعماري البريطاني الأطول وجوداً، ثم الياباني، ثم البعد الجغرافي بين الهند من الغرب والصين من الشرق، في تعقيد الصراعات بين المجموعات العرقية والدينية في بلدٍ ريفي بالأساس (نسبة سكان الريف 75%). وكان للوجود البريطاني طويل المدى أثر كبير في تعميق صراعات الأقليات، المتصارعة أصلاً، يغذّيها جوار إمبراطوري قوي وممتد داخل النسيج المجتمعي البورمي. وحتى الأقليات، العديد منها وافد من الجوار؛ فالبورميون، والشين، والكاشان والكارين وافدون في القرن التاسع الميلادي. والملاحظ أن هذه الأقليات الوافدة والكاثرة عاشت في عزلة عن بعضها في مجتمع
ريفي مغلق، ولم يحصل أي شكل من الاندماج الوطني. وقد اعتنق البورميون، وهم الغالبية العظمى كقومية، الديانة البوذية ديانة الأقلية المونية، بعد أن حلوا محلها في السلطة.
قراءة تاريخ بورما تاريخ صراع بين الأقليات والغزو الخارجي وامتداداته الداخلية، وقد أدرك الاستعمار البريطاني طبيعة مجتمع فسيفسائي، كثير الأقليات المختلفة والمتناحرة؛ فأجّج الصراعات، وأحدث تحالفاتٍ تقوم على أساس "فرق تسد"؛ فقد وقف المسلمون ضده منذ البداية، فتحالف مع القومية الأكبر البوذية (البورمية) ليجد نفسه لاحقاً في مواجهة معها أصبحت قضية وطنية للبورميين.
تاريخ توحيد بورما، على الرغم من أنها من الممالك القديمة وتعود إلى آلاف السنين، تاريخ صراع دائم وممتد. ففي العام 1044 سيطر البورميون على عاصمة المون، واعتنقوا البوذية، وقد تمكّن المغول (المسلمون بقيادة قبلاي خان) من احتلال باجان في العام 1287، وشتتوا شمل المملكة البورمية. وفي القرن السادس عشر، أخضع البورميون الشان والمناطق التي سيطروا عليها في حروبٍ سابقة، واستمر الصراع حتى القرن الثامن عشر بين الأقليات؛ حتى استطاع البورميون السيطرة النهائية على جنوب البلاد، معلنين رانغون عاصمة.
احتل البريطانيون البلاد، وعلى فترات متقطعة، وعملوا على كسب الولاءات للأقليات، وإقامة تحالفات مع وضد، حسب المصالح الاستعمارية، ابتداء من 1826 وحتى 1885. وفي سياق توسيع بريطانيا حملتها الاستعمارية في الهند، أصبحت بورما ولاية تابعة للتاج البريطاني. وخاض البورميون كفاحاً مريراً ضد بريطانيا، وخاضوا ثلاث حروب منذ 1824. وفي ثلاثينيات القرن الماضي، تأسّست الحركة الوطنية البورمية الحديثة المطالبة بالاستقلال. منحت بريطانيا بورما حكماً ذاتياً محدود الصلاحيات، إلا أن المقاومة الوطنية استمرت، بقيادة ثاكين أونج سان (والد الرئيسة الحالية أون سان سوتشي) وثاكين نو. وقد أسّسا الجيش الوطني (جيش الاستقلال)، كما كونا الرابطة الشعبية للحرية المناهضة للفاشية اليابانية.
تفجر الصراع العرقي بين عديد من القوميات، واشترك فيه اليسار الماركسي ذو الاتجاه الماوي، منذ منتصف القرن الماضي، وتضافر مع صراعاتٍ في قمة السلطة ذات طبيعة عسكرية. واللافت أن رجل دين بوذيا قاد ثورة ضد البريطانيين لم تكلل بالنجاح، كما أن الطلاب مثّلوا، منذ مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، تياراً قوياً في قلب الحركة الوطنية الحديثة ضداً على الاستعمار والقوى العسكرية.
ظلت الانتخابات النيابية والرئاسية، منذ العهود البريطانية وحتى ما بعد الاستقلال، شكلية، وغالباً ما تخضع لهيمنة البريطانيين والعسكر وسيطرتهم؛ ما أفقدها المصداقية، شأن انتخابات البلدان العربية والبلدان المتخلفة. وفي العام 1960، جرت انتخابات، فقاد الجنرال ني وين انقلاباً في 1962 علق بموجبه الدستور، وأقام مجلساً ثورياً، وألغى الانتخابات، وأسّس الحزب الثوري للبرنامج الاشتراكي حزبا وحيدا. وأمم الحزب الثوري الحياة العامة السياسية والاقتصادية، وصادر الممتلكات العامة، وسيطر على التجارة الخارجية واحتكرها، وعزل البلاد عن الخارج؛ فمنع السياحة ودخول الصحافيين، وجرى قمع مظاهرات الطلاب؛ فعمّ الغضب والتمرد مختلف فئات المجتمع البورمي وشرائحه وأقلياته.
الملاحظ أن العمل السياسي "اليساري جداً" كان حكراً للقادة العسكريين، شأن الانتخابات في المراحل الديمقراطية منذ الاستقلال وما قبله، فالقادة العسكريون الذين حكموا الانتخابات لصالح الاستيلاء على السلطة بأصوات المواطنين هم أيضاً من كانوا يعلنون حالة الطوارئ، ويعلقون الدستور، ويلغون الحياة السياسية لصالح الانفراد بالحكم. وحتى عندما تحول العسكر إلى اليسار، وصادروا الحياة السياسية، وألغوا الديمقراطية، وكمّموا الأفواه، وطبقوا اشتراكية القمع والفقر، كانوا فقط يحتكرون الحكم، ويستولون على كل شيء.
عندما أطاحت مظاهرات عارمة في العام 1988 الحزب الأوحد، استقال القائد العسكري، ني وين، وحل محله قائد الشرطة المكلف بقمع المظاهرات الشعبية. سرعان ما قاد الجيش انقلاباً عسكرياً قتل آلافا من المعارضين السياسيين. وعلى الرغم من فوز الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية بنسبة 60% و80% من مقاعد الجمعية التشريعية، إلا أن العسكر استمروا في الحكم بذريعة صياغة الدستور، وأبقوا الزعيمة الفائزة رهن الاعتقال مع عشرات ومئات من أعضاء الرابطة والفائزين في الانتخابات. ثم نالت سوتشي جائزة نوبل للسلام عام 1991 لكفاحها المدني السلمي، ودفاعها عن الحريات العامة والديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، واتفق الجميع، منتصف 1995، على وقف الحرب، وإطلاق سراحها، وتبوأت الرابطة الديمقراطية الحكم، وصعدت سوتشي إلى سدة الحكم.

والسؤال الفاجع ما الذي جرى ويجري؟ بقى العسكر في الظل، وبقيت الصراعات العرقية مستعرة.
بورما- اليانمار ليست بلداً فقيراً، وإنما يمتلك ثرواتٍ هائلة من مختلف المعادن، وفيه نهران كبيران يغطيان مساحات شاسعة من رقعةٍ تغطي الغابات جزءاً كبيراً منها. وطبيعة الحكم العسكري والإرث الاستعماري البريطاني، والاعتداد بالأغلبية القومية، والعضلات العسكرية، والمحيط والجوار القوي، ثم الصراع الدولي الجديد مع الصين، كلها لا بد من أن تقرأ قراءة صائبة وصادقة.
الحماسة التركية للصراع، وتصوير الإسلام السياسي للصراع أنه ضد الإسلام ليس غير شيء يثير الشبهات والشكوك، ويذكّرنا بأجواء 1979عند غزو الاتحاد السوفييتي أفغانستان.
ما يجري اليوم في ميانمار جريمة حرب إبادة، وجرائم حرب وضد الإنسانية، وينبغي إدانة الصمت الدولي بشأنها. ولكن، أن ينبري ضالعون في العنف، وغير مهتمين بحقوق الإنسان في بلدانهم، ومنغمسون حتى شحمة الأذن في حروب بلدانهم العربية الإسلامية، فأمر يثير الشك والريبة، وقصر الحرب على البعد الديني ليس بريئاً.
الحرب ضد الروهينغا حرب إبادة، وتطهير عرقي، والحرب الدينية جزء منها؛ فقد شرّدت الحرب الفاشية ثلاثمائة ألف، وأحرقت عشرات القرى، وقتلت الآلاف، واغتصبت النساء بهمجية ووحشية قلَّ نظيرها، لكن تحويل المعركة إلى حربٍ بين الإسلام والبوذية، واختزال الصراع في البعد الديني وإلغاء الأبعاد الأخرى، السياسية والاقتصادية والدولية والعرقية، لا يساعد على فهم طبيعته، ويحوّله إلى حربٍ بين ديانتين من أكبر ديانات العالم، ويشير إلى صراع دولي قادم، والخاسر فيه هما الإسلام والبوذية معاً.