الحرب في اليمن وعليه

26 نوفمبر 2017
الصورة
تطرح الحرب في اليمن، في عامها الثالث، أسئلة مغايرة ومختلفة عنها في بداياتها. الأسئلة الحارقة والمؤرقة اليوم: لماذا؟ متى؟ وكيف؟ عندما اجتاح الحوثيون محافظة عمران (50 كلم شمال صنعاء) بقوة جيش علي عبدالله صالح ومليشياتهم، انفتحت شهيتهما لإسقاط صنعاء. وذلك فيما كانت أدوار الأطراف الأخرى، بما فيها الرئيس عبد ربه منصور هادي، ثانوية. وكانت القوة الرئيسية هي قوة صالح: الجيش، والأمن المركزي، متحالفين مع مليشيات أنصار الله (الحوثيين)، والقبائل المساندة من أبناء المنطقة ومن خارجها. في يوم واحد (21 سبتمبر/أيلول 2014)، وبسرعة البرق، اجتاحت قوات صالح صنعاء، وقبلها كانت قد اجتاحت عمران (قلعة الفريق علي محسن وآل الأحمر)؛ ما يعني هشاشة انقلاب علي محسن وآل الأحمر، وواجهتهم السياسية حكومة الوفاق التي تعد من معطيات ثورة الشباب ومبادرة مجلس التعاون الخليجي. وقد مثّل انشقاق الفريق علي محسن قائد الفرقة الأولى مدرع (الذراع اليمنى لصالح، والرجل الثاني في الحكم) تصدّع القوة القبلية الرئيسية (قبيلة سنحان- فرع حاشد). وفي الوقت نفسه، كان انقلاباً حقيقياً على الثورة الشعبية السلمية جرّها إلى الصراع المسلح بين القوتين القبليتين، المسيطرتين على الجيش والأمن؛ فقد انحازت أحزاب اللقاء المشترك، بقيادة التجمع اليمني للإصلاح (الحزب الأقوى في الساحات) لعلي محسن.
انقسمت القوى التقليدية على نفسها، وتوزعت على جبهتي الحرب في طول البلاد وعرضها، والهدف المعلن لعملية التحالف العشري العسكرية، بقيادة السعودية، هو دحر الانقلاب، وعودة الشرعية. وقد هدفت كل حروب المنطقة في اليمن وسورية وليبيا ومحاولات جر مصر وتونس إلى المواجهات والعنف، إلى أن تسود الحرب، وإلغاء الحياة السياسية، وتدمير البنى المجتمعية، والقضاء على ثورات الربيع العربي.
الصراع الدائر في المنطقة كلها منذ انطلاق ثورة الربيع العربي موجهٌ بالأساس ضد هذه
الثورات، وهو أيضاً تعبير عميق عن عجز هذه القوى التي حكمت، طوال العقود الماضية، عن الاستمرار في الحكم. وهذا هو المعنى الحقيقي للأزمة الشاملة. يقول غرامشي: "المجتمع يدخل في أزمة عضوية، حين يلف العجز السلطة والمعارضة معاً". ويقول لينين: "المجتمع يدخل في سيرورة من التفكك والاستنقاع، حين يساوي العجز بين السلطة والمعارضة".
تشكلت في اليمن (غير السعيد) حكومة وفاق وطني، ثم حكومة كفاءات. لم يلمس المواطن أي فرق بين الحكومتين وحكومة ما قبل ثورة الربيع العربي في اليمن؛ فالفساد والاستبداد سمة رئيسية ومشتركة بين كل هذه الحكومات. نعرف أن حكومتي الوفاق والكفاءات تشكلت (بشروط الاقتسام بالأساس) بين الإخوة الأعداء: حزبي المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح، مع تطعيم التشكيلين بتشريك حلفاء كل منهما؛ لتزويق الصورة. إقصاء المرأة والشباب والمستقلين حاضر بقوة.
ووضعت مبادرة مجلس التعاون الخليجي شرعية جديدة للحكم، فقد علقت الجوانب المهمة في الدستور، وأقامت السلطة على أساس التوافق؛ فألغت سلطة الأغلبية والأقلية في مجلسي النواب والشورى، وربطت القرارات المهمة بالتوافق، بما في ذلك قرارات رئيس الجمهورية، وأعطت الحصانة للطرفين المتصارعين في الحكم، ثم أفسحت السبيل أمام إعادة إنتاج حكم ما قبل الـ11 من فبراير 2011.
شهد اليمن ثلاثة مسارات: اقتسام الحكم بين شركاء الحكم طوال الثلاثة والثلاثين عاماً، مع إعطاء لقمة مسمومة لأحزاب تكتل اللقاء المشترك. تشكيل لجنة الحوار الوطني الشامل، من ألوان الطيف السياسي والفكري، وإلى حد ما المجتمعي. وينبغي تأكيد أن الجنوب (وإن شارك في البداية في لجنة الحوار)، إلا أن الرئيس التوافقي، عبد ربه منصور هادي، انقلب على تمثيله؛ فقد عاد تشكيل الفريق الجنوبي، حسب اختياره، من الموالين؛ ما همش مشاركة الجنوب الذي يمثل جوهر القضية اليمنية بالأساس؛ لأنه الطرف الأساس في ثورة الربيع العربي، بسبب حرب 94 التي ألغت كيانه، وعطلت مشاركته، وكان حراكه بذرة ثورة الربيع العربي. المسار الثالث هو استمرار الحرب بين جيش (ومليشيات) صالح في المؤتمر الشعبي العام ونائبه المنقلب علي محسن الأحمر الموالي لحزب الإصلاح. استمرار الحرب في غير منطقة، والمواجهات في صنعاء ومحيطها، أعطيا المؤشر إلى أن الاحتكام لديهما ليس إلى مخرجات الحوار على أهميتها، ولا الثورة الشعبية السلمية، وإنما إلى السلاح. وبدأ كل طرف التجييش استعداداً للمواجهة المقبلة. وقد مهّد ذلك كله للانقلاب الجذري والحاسم على الثورة الشبابية السلمية، وضداً على مشروع دستور دولة الوحدة الاتحادية الديمقراطية.
وقد اتخذ انقلاب 21 سبتمبر/أيلول 2014، بقيادة صالح وأنصار الله (الحوثيين)، لدى صالح طابع الثأر والانتقام من حلفاء الأمس: علي محسن، وآل الأحمر، وحزب الإصلاح. وتشارك
صالح وأنصار الله في الانقلاب على الثورة السلمية، وزج اليمن في حرب تعم البلاد كلها، وتثأر من كل المدن والفئات والشرائح والاتجاهات التي أشعلت ثورة الربيع، فاستئصال شأفة الثورة هدف مشترك وعام بين أطراف الحرب. واستدعت الحرب الأهلية الأطراف الإقليمية: إيران، وحزب الله داعمين لصالح وأنصار الله. والسعودية وتحالفها العشري باسم الشرعية.
وجرى، خلال العامين والنصف العام، فرض حصار داخلي وخارجي. تدلل تقارير المنظمات الدولية على أن اليمن اليوم أسوأ بلد على وجه الأرض من كل النواحي: انهيار العملة، وارتفاع جنوني للأسعار، وانعدام المواد الغذائية، ونقص مياه الشرب النقية، وتفشّي الأمراض والأوبئة: الكوليرا، والدفتيريا، والقتلى من المدنيين أكثر من القتلى من المتحاربين. وطاولت الحرب، خصوصاً من الطيران السعودي، أحياء سكنية، وأسواقا شعبية، ومستشفيات، ومدارس، وآثارا، وصالات أعراس وعزاء، وقرى آمنة، وقوارب صيد، وجرى إغلاق المطارات والموانئ، وفرض التجويع على اليمن كله. المشردون أكثر من ثلاثة ملايين، والقتلى عشرات الآلاف، والجرحى بالمئات. عادت الأوبئة المنقرضة كالبلهارسيا والملاريا، ولا يستطيع آلاف الصيادين الاصطياد بسبب ملاحقة الطيران قواربهم "البدائية"؛ ما ألحق الجوع بمئات آلاف من الصيادين.
الحرب الداخلية، والعدوان السعودي، جرائم حرب بامتياز. ومحاصرة تعز، وتقطيع التواصل بين القرى والمدن اليمنية الأخرى، وإغلاق المطارات والمنافذ عقاب جماعي، وجرائم حرب أمام بصر العالم وسمعه. أما الحرب الخارجية، فقد بدأت دفاعاً عن الشرعية أو ضد الانقلاب، وتحولت عدوانا سافرا، وحربا إجرامية تستهدف بلداً بكامله، وتقتيل وتدمير الحياة فيه برمتها.